مستقبل اللغة العربية في عصر العولمة

الخط العربي ببصمة نسائية مغربية.. روائع من الماضي والحاضر
اللغة العربية لم تتطور على الرغم من أن السياق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للمجتمعات العربية في تغير مستمر (الجزيرة)

تعد اللغة العربية واحدة من اللغات الحديثة نسبيا، مقارنة مع لغات أخرى جاورتها كالهيروغليفية والفينيقية والحميرية والمسمارية والعبرية وغيرها، وعلى الرغم من حداثتها النسبية، فقد احتلت مكانا مهما في تاريخ الثقافة الإنسانية، وعرفت انتشارا واسعا لارتباطها بالإسلام والقرآن، ونظرا للسرعة التي ينتشر بها الإسلام في العالم، فهو من الديانات الأكثر انتشارا في أرجاء المعمورة، وفق ما أكده تقرير نشرته وكالة "رويترز" العالمية للأنباء (1).

خطر يهدد اللغة العربية

إلا أن اللغة العربية اليوم، تواجه خطرا يهددها في سياق التحولات التي يتعرض لها العالم العربي، بإقبال كُتّابه ومثقفيه ونسائه ورجاله على اللغات الأجنبية الأخرى، كاللغة الإنجليزية، نظرا لما تتيحه من مزايا متعددة، حيث إن أغلب البحوث العلمية على المستوى العالمي تصدر باللغة الإنجليزية ولغات أجنبية أخرى، وهذا الأمر ليس ناشئا عن خلل في اللغة العربية نفسها، وإنما سببه هو أن البحث العلمي والإنتاج الأدبي والثقافي بشكل عام يخضع لتحكم ذوي الاقتصاد القوي، وبما أننا في عصر اقتصاد المعرفة، فكل شيء صار له ثمن، وأصبحت المعلومات والبيانات أيضا بضاعة تباع وتشترى كسائر البضائع الأخرى.

ثمة جهود طيبة يبذلها بعض الكتّاب والمبدعين على مستوى الوطن العربي، يقدمون خدمات متميزة للإسهام في انتشار اللغة العربية، وتعزيز قيمتها على المستوى الدولي؛ سواء على مستوى الإنتاج الأدبي والثقافي أو حجم الإنتاجات الإبداعية في كل الحقول المعرفية.

إن تراجع اللغة العربية مرتبط بنُدرة أو ضعف المؤسسات التي تشتغل في مجال الإعلام الثقافي، وعجزها عن دعم اللغة العربية بالشكل المطلوب، ويُرجِع الباحثون والكتّاب والقائمون على مثل هذه المؤسسات السبب إلى ضعف الميزانيات والدعم المادي المرصود لها، لأن القادة السياسيين وواضعي الميزانيات لا يجعلون الثقافة في صلب اهتماماتهم، فلا ترصد للبرامج الثقافية التي تدعم اللغة العربية على مستوى الوطن العربي سوى إمكانات مادية ولوجستيكية ضعيفة، على الرغم من وجود بعض المحاولات القوية التي تدعهما بعض دول الشرق الأوسط؛ وهي محاولات متميزة وتستحق التشجيع والتنويه، لأنها تسعى جاهدة إلى تقديم اللغة العربية في حلة جديدة تستجيب لمتطلبات الواقع.

جمود في بنية اللغة العربية

ولعل الجمود الذي لحق باللغة العربية منذ قرون، يعد أحد أسباب تراجع هذه اللغة، ما حرمها من العناية والاهتمام والتطوير الكافي من قبل أهلها والناطقين بها.

فاللغة العربية لم تتطور، على الرغم من أن السياق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للمجتمعات العربية في تغير مستمر، ومع ذلك فلغته ما زالت كما هي، خصوصا الجزء المتعلق بالتراث الذي ما زال كما هو جامدا ومعقدا ولم يتطور، وهذا من الأسباب التي دفعت الكثير من الشباب للعزوف عنها، والاستغناء عنها بلغات أخرى أكثر حيوية ويسرا في تعلمها، كاللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات العالمية. فلأجل دوام اللغة العربية لا بد من تطويرها وتبسيطها، وتقديمها في حلة جديدة تستجيب لتطلعات الشباب، من خلال خطط وإستراتيجيات تنفذها المؤسسات الرسمية الحكومية والأهلية، وهيئات المجتمع المدني وكل مؤسساته، من خلال عقد مسابقات ثقافية ولقاءات ثقافية، ودعم الكُتاب والمبدعين الشباب، وأيضا بتقريب الكُتاب من الجمهور وتشجيعهم على الكتابة والإبداع، في سبيل استعادة الأدب والثقافة لقيمته المحورية في المجتمع، فأقصى ما يطبع من كتاب عربي، لا يتجاوز ألف نسخة، وتكون هذه الألف نسخة بالنسبة للكاتب العربي مغامرة لا تُحمد عقباها، نظرا لغياب مؤسسات تدعم الكُتاب والمبدعين الشباب.

اللغة العربية والتكنولوجيا

ثمة مفردات واصطلاحات وتسميات جديدة لوسائل الاتصال والتكنولوجية الحديثة الدخيلة منها والمعربة، والتي فرضت نفسها في الوضع الراهن، ودخلت على اللغة العربية، وأوجدت لنفسها مكانا، باعتبارها وسائل أساسية لا يستغني عنها المرء في عمله، أو في حياته الخاصة بشكل عام، كالهاتف أو جهاز الكمبيوتر في المكتب أو التطبيقات الذكية على الإنترنت، كشبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك الذي صممه مارك زوكربيرغ (2) في جامعة هارفارد منذ حوالي 20 عاما، سنة 2002 على وجه التحديد. ومنذ ذلك الحين، أصبح فيسبوك تطبيقا ذكيا لا يستغني عنه الفرد والجماعة، كالشركات والمنظمات والجمعيات والحكومات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية على جميع أشكالها وأنواعها في أنحاء العالم؛ أي أن كلا منها فتحت حسابا على الفيسبوك، زد على ذلك مئات بل آلاف التطبيقات الذكية المحملة على الهاتف، والتي يكاد المرء لا يحيط بها، نظرا لكثرتها وإيقاع التطور المستمر الذي تخضع له، وبروز تطبيقات جديدة مثل تويتر، إلى جانب الإيميل، وما تجده في الهاتف الذكي الآن من "جي بي إس" (GPS) وغيرها.

والمفارقة العجيبة التي نستخلصها في هذا الصدد، هي أن المرء سيجد في اللغة العربية عشرات المفردات والأسماء لحيوانات الصحراء، ولكن لن يجد فيها أي من هذه المفردات التي ذكرناها سالفا، أي التي تتعلق بوسائل التكنولوجيا الحديثة، بهذا المعنى تصبح اللغة العربية فقيرة المفردات والتعبيرات، عاجزة عن اللحاق بالاختراعات وأسمائها التي أنتجها العالم الأول وما زال ينتجها في وفرة هائلة.

مأسسة المقاومة

تتجلى المقاومة في عدم تقبل اللغة العربية المفردات الجديدة الآتية من اللغات الصاعدة عولميا نتيجة الحرب الثقافية التي تشنها العولمة ضد اللغات المحلية الوطنية والقومية كاللغة العربية، بدافع القيام بعملية تنميط الثقافة، أو بالأحرى توحيد النموذج النمطي للثقافة، واستطاعت العولمة -باعتبارها منظومة متكاملة من الأفكار والقيم التي تستمد شرعيتها من الاتجاه الرأسمالي- أن تحدث غزوا ثقافيا جاء كأشكال جديدة للاستعمار الجديد الذي تفرضه الظروف السياسية والاقتصادية العالمية على دول العالم الثالث.

وتتخذ المقاومة عدة أشكال وتمظهرات، بدءا من الشعارات التي يرفعُها الكُتاب والمثقفون، مرورا بما تبذله المؤسسات الرسمية من جهود، ومؤسسات أخرى أنشئت للدفاع عن اللغة العربية ولحماية الهوية والموروث الثقافي الأيديولوجي بما فيه من إيجابيات وسلبيات.

هذا الوضع أسهم في تفاقم الأزمة وعدم قدرة اللغة العربية على ملاحقة التطورات العصرية على المستوى اللغوي، أو على مستوى المخترعات والإنتاجات العلمية والأدبية، رغم وجود مؤسسات محلية وقومية خاصة بمتابعة التطورات العلمية ومواكبة المصطلحات الجديدة لتعريبها وإدماجها في اللغة العربية، وصارت بتلك الطريقة اللغة العربية عاجزة عن مجاراة العصر، وخصوصا أن المقاومة تمت مأسستها بتمسك هؤلاء الأفراد والمؤسسات بقيم ثقافية ماضوية، قيم تجعلنا نتحرك إلى الأمام وأعيننا متجهة صوب ماضينا، ومن ثم لا نستطيع ملاحقة متغيرات العصر الذي نعيش فيه، أو على الأقل متابعة المسار الذي يفرضه علينا التقدم المتسارع لهذا العصر الذي نعيش فيه.

مأزق الازدواج اللغوي

ثمة كتابات متعددة ومتنوعة من كُتاب وكاتبات من مختلف الأقطار العربية، يكتبون بلغتين أو أكثر، فإلى جانب اللغة العربية، يكتبون بالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الإسبانية، أو غيرها من اللغات التي اقترنت بالحضور المباشر في الوطن العربي عن طريق الاستعمار المباشر أو غير المباشر، أو التي أتتنا من كُتاب ومثقفين غادروا الوطن العربي في اتجاه الغرب بسبب الحرب أو القمع السياسي والديني، حيث تجد عقولا كثيرة غادرت من أجل أن تنعم بالحرية والكرامة الإنسانية، والحقوق التي سُلِبتْ منها في بلدانها الأصلية، كحرية التعبير والرأي في الشأن السياسي والديني.

هذه الازدواجية في الكتابة أو في التعبير عن متطلبات شعوب المنطقة العربية لها جانب إيجابي وسلبي، الإيجابي هو أن هؤلاء الكُتاب أصبحت لديهم مكانة مهمة في بلدان المهجر، للدفاع عن قضايا الشعوب العربية ومطالبها، وحماية تراثها الثقافي من الاندثار، وتقديمه للشعوب الأخرى في قالب جديد، في إطار ما يسمى التلاقح الثقافي.

والجانب السلبي هو أن هذه الازدواجية عمقت الأزمة في الكيان الداخلي للغة العربية، وأعطت الشرعية للغات أخرى على حساب اللغة العربية، وهذا المأزق دفع العديد من المثقفين والمفكرين إلى إحداث مراكز ثقافية في الدول التي يقطنون بها، للدفاع عن اللغة العربية، وللتعريف بها وبثراتها الثقافي والحضاري، وهذه إضافة حقيقية تحسب لهؤلاء الكتاب والمبدعين العرب.

 

هوامش

  • د.جميل حمداوي، كتاب سوسيولوجيا الأديان، منشورات أفريقيا الشرق 2017 ، الصفحة: 53
  • مارك زوكربيرج، مبرمج أمريكي ورجل أعمال، موسوعة ويكبيديا الحرة.