رائد صلاح.. كيف صمد شيخ الأقصى في وجه المؤسسة الإسرائيلية؟

صور 3+4 الشيخ رائد صلاح لحظة الاحتفاء بأم الفحم به بعد أن عانق الحرية - (تصوير الزميل أنس موسى حولت إلي لنشرها بالجزيرة نت)
الشيخ رائد صلاح لحظة الاحتفاء به بأم الفحم بعد أن عانق الحرية (الجزيرة)

كنت قد أشرت في مقالة سابقة إلى حضرة الشيخ الشهيد فادي أبو شخيدم، طيب الله ثراه وجعل الجنان البهية نزله ومأواه. الرجل الحائز على شهادة الأستاذية في علوم الدين والشريعة، والذي أوصلته معرفته إلى ضرورة الامتثال لنداء الواجب، مستبطئا انتظار نشوء حكومة عربية إسلامية تزحف لتنقذ بلده من الشرير الذي جاس خلال دياره.

ولا ريب أن الواقع السياسي الآني وكل جديد يولد منه لا يبشر بأي فرج قريب للمحنة الفلسطينية التي تنازلت عنها الدول، واكتفت الشعوب بنصرها بفنونها المتنوعة ومناسباتها الرياضية، مما جعل صبر فادي عن حلمه يضرب ضربة قاصمة، لكي يقوم بعدها بتكوين كتيبة من رجل واحد، كتلك التي يكونها في مخيلته كل غيور على الحق وما يتبعه من العز والشرف، كاره للضيم وما يحويه من الذل والهوان، حتى يصعقه الواقع باستحالة حمل هذه الفكرة من صندوق خيالاته وآماله إلى الواقع الجاف المختلف عن ذاك الذي أعانه عقله على تشكيله.

وهنا تكمن عظمة فعل فادي، الشيخ والأستاذ والأب الذي لم يسمح لكل تلك الواقعية بأن تسلبه حلما وجد فيه خلاصه. ومع نفاد الكلمات للإشادة بكل بطل يموت في سبيل الله، هذه المرة سأحكي عن رمز عاش -ولا يزال- في سبيل الله، يتشابه مع فادي بصموده المتين أمام الدولة الإسرائيلية، إنه الشيخ رائد صلاح.

نبذة عن الشيخ

يعتبر الشيخ رائد صلاح من الشخصيات القيادية القليلة المتفق عليها في فلسطين، رغم الانقسام السياسي الكبير بين الإسلاميين والعلمانيين (يشمل الشيوعيين والقوميين العرب). ويعود هذه الاتفاق الكبير -وغير الكامل- بسبب تاريخ هذا الرجل الذي صار يعرف في فلسطين، بل في العالم الإسلامي أجمع باسم "شيخ القدس".

تاريخ حافل بالصمود والثبات على العقيدة الإسلامية وحق الفلسطينيين في أرضهم ووصم الدولة الإسرائيلية بأنها دولة احتلال غاشم آفل ولو بعد حين، ليس هذا فحسب، بل ما جعل نجم الشيخ يسطع في قلوب الناس هو بقاؤه على موقفه بعد إمضاء سنوات متفرقة من عمره في أقبية سجون إسرائيل، وكان قد أنهى آخر أحكامه في 13 ديسمبر/كانون الأول 2021.

فكر الشيخ ومراحل مهمة

وقد تشرب الشيخ رائد صلاح الفكر الإسلامي منذ فتوته، والتحق بعدئذ بجامعة الخليل لدراسة العلوم الشرعية ونال شهادة البكالوريوس فيها، ليراكم العلم فوق حسه الثوري، قبل أن يدخل ليقضي حكمه الأول بالسجن عام 1981، حكما لن يكون الأخير.

وفي عام 1989 ترشح الشيخ لرئاسة بلدية أم الفحم، ليشغر هذا المنصب 3 دورات متتالية استقال في آخرها عام 2001، ليتفرغ للعمل الدعوي بصفته رئيس الحركة الإسلامية الشمالية في الداخل الفلسطيني/إسرائيل.

أنشأ الشيخ وحركته مهرجان "الأقصى في خطر"، حيث كشف المساعي الإسرائيلية لهدم المسجد الأقصى عن طريق كشفه لحفريات جارية تحت كيان المسجد المبارك، وفي هذا المهرجان دعا الشيخ كل الفلسطينيين لإعمار وملء المسجد لئلا يتصرف الصهاينة فيه كما يحلو لهم، وقد كان هذا المهرجان يفوق في أحيان كثيرة أجواء العيدين الفطر والأضحى، إذ كان يجتمع مئات آلاف الفلسطينيين في المسجد الأقصى بأجواء إيمانية أخوية تشتد فيها عرائك الأخوة الدينية ويعتاد فيها عدد أكبر على الرباط في الحرم المقدسي الشريف.

في الأثر

يقال في الأثر إن الصحابي الجليل ضرار بن الأزور حارب كتيبة من جيش الروم وحده يوم أجنادين، فأثخن فيهم حتى دب الرعب في أوصالهم، إلى أن صاروا يتناولون قصته بينهم، وقد اختاروا له لقب -كما ورد- "الشيطان عار الصدر"، لأن ضرارا عندما اشتد وطيس المعركة خلع درعه وقميصه لئلا يعيقاه عند المناجزة، ومنه اكتسب لقبه.

ولعل هذه الزمرة من الرجال الذين يعيشون على تراث الصالحين من الأسلاف، راغبين عن أساليب المداهنة الحديثة التي أعيت قلوب الشعوب قبل عقولها وأضاعت من الملك والأوطان أكثر مما ضاع في حروب سابقة خاسرة، هم الحجة علينا جميعا أن الأمر ممكن، حيازة أقطار المجد والوقوف بشموخ في وجه الظلمة ليس بمستحيل وإن ضيعت أبصارك الأعوان والأنصار، فعلها ضرار وفعلها فادي وها هو يفعلها رائد صلاح وفعلها كثيرون غيرهم ممن حفظهم لنا التاريخ وممن لم يكن لهم حافظ سوى الله، مع اختلاف الأساليب.

من مناقب الشيخ

وقد ثبت من مناقب هذا الشيخ وإصراره مشاركته في أسطول الحرية، الأسطول الذي انطلق نحو غزة لإغاثتها بالمؤونة اللازمة إثر فرض إسرائيل الحصار البري والبحري على أهلها مانعتهم من استيراد حوائجهم الضرورية، وقد حدثت هذه القصة عام 2010، وانتهت بقصف القوات الإسرائيلية للسفينة، مما أدى إلى مقتل 9 أبرياء وإصابة قرابة 26 شخص ممن كانوا في السفن الست لأسطول الحرية، وانطلقت إشاعة استشهاد الشيخ رائد صلاح يومها، إلا أنه كان قد نجا.

وقد دأب الشيخ باجتهاد وفطنة وبعد نظر يسعى سعيا حثيثا لبناء نظام اقتصادي مستقل لفلسطينيي الداخل، لا يكون مرهونا بالدولة الإسرائيلية ولا خاضعا لمزاجها إن شاءت أن تعطي أو تمنع، ولكي يتمكن المجتمع الفلسطيني في الداخل من الالتفاف بعضه حول بعض دون ترك محتاج تسعى الدولة لاستغلاله بحل تحدياته ومشكلاته الاقتصادية، ولكن سرعان ما ألف له القضاء الإسرائيلي تهمة جديدة لتبعد الرجل وراء قضبانها.

علاقة الشيخ بالأدب

وقد وجدنا أن للشيخ باعا في الأدب والشعر، وله إصدارات يحكي فيها إشكالات السياسة الإسرائيلية، مدونا في صحائفها رؤية الحركة الإسلامية لمجابهة الطوفان الصهيوني الراجي محو كل أثر عربي إسلامي فلسطيني موجود في البلاد، وأهمها بلا شك المسجد الأقصى المبارك.

الشيخ القائد

لقد تعدى الشيخ رائد صلاح مرحلة أن يكون شيخا أو رجل سياسة أو قائدا بالمفهوم المتعارف عليه اليوم، الشيخ رائد هو جبل شامخ يتكئ عليه أكثر الفلسطينيين، لما ملكه الله من أمارات الجد والصدق والتواضع والثبات، وقد عانقت الحرية الشيخ مجددا البارحة بعد قضاء سنة كاملة في زنزانة فردية في السجن الإسرائيلي، ليستقبله محبوه من كل الأطياف السياسية والشعبية استقبالا يشبه تلك المهرجانات العظيمة التي كان قد أسسها بنفسه لحماية الأقصى، كيف لا، وهو المعروف بين الكل الفلسطيني بشيخ الأقصى.