شعار قسم مدونات

عمر بن عبد العزيز الكرسيفي.. فقيه الجبل ذو الإنتاج الأجلّ

مسقط رأس عمر بن عبد العزيز الكرْسِيفِي في مدشر أكرسيف، من توابع أمانوز بالأطلس الصغير الغربي، التابع إداريا ضمن التقسيم الترابي للمملكة المغربية حاليا (الجزيرة)

لا نكاد نعثر فيما كتب عن مترجَمنا ونقولات من تتلمذوا على يديه خبرا عن تاريخ ميلاد الرجل، ولا عن طفولته وصباه، إلا أن بعض المؤرخين أرجعوا ميلاده إلى أواسط عهد السلطان محمد بن عبد الله العلوي (1710-1790)، ومسقط رأسه إلى مدشر أكرسيف، من توابع أمانوز بالأطلس الصغير الغربي، التابع إداريا -ضمن التقسيم الترابي للمملكة المغربية حاليا- لجماعة القروية تارسواط، ضمن دائرة تافراوت، التابعة لعمالة إقليم تزنيت، في جهة سوس ماسة.

قلما يُلتفت إلى علماء الأطراف، وصاحبنا عمر بن عبد العزيز الذي آوته قرية أكرسيف في بيوتات علمائها، وبين رحاب كتاتيبها، وفي رُبى وديانها وجبالها، قد قدمته للوطن من العلماء الراسخين، وجادت به صدقة جارية تنتفع بها الأجيال لعقود وسنين.

ينتمي العالم الجليل عمر الكرْسِـيفي إلى الأسرة الكرسيفية السوسية التي توارثت العلم والنبوغ كابرا عن كابر، بشهادة الشيخ المدقق المحقق في الأنساب العلامة المختار السوسي الذي أكد أن العلم لم ينقطع في هاته الأسرة من بدايات القرن الثاني عشر الميلادي وإلى غاية القرن العشرين، وأخبرنا في موسوعته الأثيرة "المعسول" -الجزء 17، صفحة 81- عن الشخصية العلمية الفذة من هذه العائلة، التي حملت رقم 61 ضمن المترجم لهم، وهو عمر بن عبد العزيز بن عبد المنعم بن عبد الرحمن بن محمد الكرسيفي الإيرْغِي، وأورد أقوال النبهاء من العلماء فيه، التي أجمعت على أن "الفقيه السيد عمر بن عبد العزيز الكرسيفي كان -رحمه الله- عالما بارعا، أديبا بليغا، فصيح وقته، وناصح عصره، مشاركا في الفنون، حيسوبيا، فرَضيا، نحويا، له قصائد وأجوبة وفتاوى"، ولا غرو من أن يوصف بهذا، وهو الذي تلقى مبادئ العلوم في باديته، وانتقل حين شبابه راحلا في سبيل العلم إلى سجلماسة، فلازم فيها شيخها الكبير أحمد بن عبد العزيز الهلالي حتى تخرج فقهيا من زاويته، ثم رحل بعدها إلى فاس، ودرس على الشيخين العالمين عبد القادر بن علي الفاسي، وعبد الوهاب الفاسي، وعاد إلى سوس، معززا رصيد المعارف في الحديث والتفسير وفقه النوازل على يد رائد النهضة العلمية في الإقليم السوسي الكبير سيدي محمد الحُضيكي الذي وصف الفقيه عمر الكرسيفي حين إجازته له بـ"العالم العامل، العلامة الجامع لخصال الفضائل ومشفعها بالفواضل (..) المنتظم في سلك أهل التحقيق (..) الفقيه الجليل مولانا عمر بن عبد العزيز". في حين عده الشيخ الإدكيلي من "المحققين في فنون العلم، فقها، ونحوا، ولغة وحسابا، وتفسيرا وبيانا ومنطقا وتصريفا".

ونظرا لإرث عائلته العلمي الزاخر، ولمكانته في بني طبقته من العلماء والفقهاء، جمعته صحبة طيبة مع العالم المتمكن محمد الحضيكي، والعلامة أبي العباس الهلالي وأشياخ الوقت ممن ذكرهم الأستاذ المختار السوسي في "المعسول"، الجزء 17. كما كان من بنيه علماء ونجباء، لعل أشهرهم الفقيه الأديب محمد بن عمر الكرسيفي، ومن حفدته العالم الشهير يحيى الكرسيفي.

كان الفقيه المتفرد عمر الكرسيفي "أنشط معاصريه في كل الميادين العلمية، فألف، وذيل، وبين، وشرح، وأفتى وأقضى" (انظر: "المعسول"، الجزء 17، ص: 83)، فعبر حقبتي السلطان محمد بن عبد الله والمولى سليمان مثقلا بتاريخ علمي مجيد ورثه عن أسرته السوسية الماجدة، وواسما مرحلته بالمشاركة في شتى المعارف والعلوم، ومجددا دور "الكرسيفيين" باعتبارهم طليعة العائلات التي أرست النهضة العلمية في سوس بعد القرن الثامن الهجري، إلى جانب "الرسموكيين والوادنونيين والحضيكيين" (انظر: "سوس العالمة"، ص: 20، وص: 47)، لما امتاز به من "رؤية تدريسية ثاقبة وجامعة وشاملة لكافة الفنون" حسب تعبير الباحث خالد الطايش في مقاله "التعليم العتيق بسوس من خلال الأسر العلمية"، منفردا عن "العديد ممن عاصره من العلماء باهتمامه بقضايا النوازل والمستجدات التي كان يعرفها مجتمعه (..) ويظهر -من خلال تصفح معالجاته- هاجسه الإصلاحي المتجه إلى الالتزام بالأحكام الفقهية، والمنضبط بضرورة رعاية حقوق الناس وأحوال المجتمع على قياس الشرع، واحتواء المستجدات وفق أحكام المذهب المالكي" حسب تعبير الوزير العالم أحمد التوفيق في تقديمه لكتاب "الأعمال الفقهية الكاملة للفقيه الكرسيفي" (ص: 6).

يتبين هذا المنحى للناظر في رصيده العلمي الزاخر، بدءا من رسالته في "تحقيق المد والصاع النبويين وصنعهما من النحاس بواسطة قياس درهم الكيل (الدرهم الشرعي)"، التي اعتنى بها المؤرخ العلامة المختار السوسي ونشرها ضمن كتاب "المجموعة الفقهية في الفتاوى السوسية" وتم طبعها من قبل كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير سنة 1993، مرورا بأعماله النوعية التي ناهزت 29 كتابا، جمعت 19 منها فقط في "الأعمال الفقهية الكاملة"، في 471 صفحة، وطبعت بإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

وأعمال أخرى في فقه العبادات والأدب والنوازل والحساب والتوقيت والحديث، نذكر منها:

"الكوثر الثجاج في كف الظمئ المحتاج"، و"فتوى في مسائل عن إخراج زكاة الفطر"، و"الدرر في النظائر من مسائل المختصر"، و"ﺍﻷﺟﻮﺑﺔ ﺍﻟﺮﻭﺿﻴﺔ ﻋﻦ ﻣﺴﺎﺋﻞ ﻣﺮﺿﻴﺔ ﰲ ﺍﻟﺒﻴﻊ ﺑﺎﻟﺜﻨﻴﺎ والوصية"، و"كفاية المؤونة في فهم المعونة"، و"رسالة في بيان معرفة بداية السنة الفلاحية الشمسية وما يوافقها من السنة القمرية"، و"نظم في بيان منازل الشمس الفلكية".

وفي مجال والأوزان والمكاييل، كتب "السكك المغربية في القرون الأخيرة"، و"تحقيق أوزان النقود في سوس"، و"اقتناء الموازين الكيلية الشرعية وتحقيقها".

كما اعتنى بمجال السيرة النبوية الشريفة؛ فخلف لنا كتابيه "دلالة الهائم الكئيب على أطلال ربوع الحبيب"، و"السراج المتوقد الأصفى في ذكر بعض أحوال المصطفى". إضافة إلى رسالة مهمة جدا تمم بها ما أثاره الفقيه الشهير في شمال المغرب ابن عرضون في موضوع الإرث والكد والسعاية وحقوق المرأة، وعنون كتابه بـ"رسالة في قسمة التركة إذا كان فيها كد وسعاية، حفاظا على حقوق المرأة والكسبة". إضافة إلى أرجوزة ومنظومتين شعريتين، ومن أبياته قوله:

لَقد أخَذَت مني قوافيك مأخَذا .. عظيمًا كأنِّي قد سُقيتُ بِها صَرْفَا

سمِعـتُ بـيانا بارعاً وفَصاحةً .. إذا سِمْتُها فِكري فقد سِمْتها حَـيْفَا

وقوله:

نفْسي ارعَوِي عَمّا اقترفتِ ولا يَكن .. أبداً إلى العِصيان منكِ جُنُوحُ

وابْـكِ على ما قد جَـنـيتِ .. حقٌّ على حِلْف الذنوب ينـوحُ

 

كما لم يَفُته الاهتمام بمجال التعليم والتدريس والتربية، فكما مارسها وأتقنها أبدع في الإتيان برسائل ونصوص وضع فيها الفقيه عمر الكرسيفي شروطا لإنجاح العملية التعليمية -تذكرنا بالقواعد الخلدونية وبجملة القواعد التي دبجها العلامة محمد بن مسعود الطرنباطي في "بلوغ أقصى المرام في شرف العلم وما يتعلق به من الأحكام"- ومنها ما تخص الأستاذ أو الشيخ أو المدرس، ومنها ما له صلة بالمتعلم أو التلميذ أو الطالب.

فعلى الأستاذ الفقيه "أن يعنى بتجميل الهيئة، والسمت الحسن، واستحضار الهيبة والتعظيم لمحل نيابته عن الله تعالى والنبي -صلى الله عليه وسلم- وعليه أن يفتتح دروسه بالتعوذ والبسملة والتصلية والترضية والحوقلة، وعليه أن يبين جيدا الألفاظ والمواد التي يدرسها، وأن يمتاز في أسلوبه التعليمي بسهولة العبارة، وأن يستدل بالأمثلة والشواهد، وأن يكون حليما بالمتعلمين صبورا على أخطائهم، لا يمل نهيهم عن المساوئ. ومن الناحية الكلية، أن ينتصر للمذهب وللدين الرسمي للبلد، وأن يكون مساهما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

أما آداب المتعلمين والولدان فكثيرة، أهمها "الصبر على التغرب عن الديار والأهل، والانقطاع للدروس والتلقي عن الأساتيذ، والصدق في المعاملة لأصدقاء الدراسة صغارا وكبارا، والاتصاف بمكارم الأخلاق، والاقتصار في المطالعة على كتب علماء أهل السنة والجماعة، مع ضرورة الابتداء بقراءة المراجع والمصادر الميسرة السهلة قبل الكتب المستغلقة، وتوقير الشيوخ والفقهاء والعلماء، والترفع عن الصراع مع الأقران، والحرص على الصلاة والذكر والنوافل والصيام ليستعينوا بها على المسار الطويل للتعلم والدراسة". وفي الجوانب الشكلية، "حسن اختيار الملبس، ونقاوة الجسم، وحسن اختيار أوقات الخروج من المحضرة أو المسجد" بما يفيد غيرة الإمام الكرسيفي على حقل التربية والتعليم، وسعيه لتطويرها، ورغبته في استمرار بركة العلم في الناحية السوسية وتسلسله في أبناء القبائل والبوادي.

وهو في كل هذا يعتمد منهجا قد "تحرر من قيود استعمال النصوص التقليدية والإسراف في تكرارها" ويبني "على الوثائق وتوظيف المراجع لبناء موضوعاته"، ويستعين بـ"المنطق والأسلوب الجدلي واستعمال الفكر" و"لا يهمل الاستشهاد بالنصوص التشريعية وبالقواعد الأصولية والمنطقية"، حسب تعبير محقق الأعمال الفقهية الكبرى للشيخ الكرسيفي، الدكتور المؤرخ عمر أفا.

إن هذا الرجل الذي جعل على جادة الصدق سيره، وعلى آثار العلماء خطوه، فأبدع ونفع، جرت أقدار الله أن يصاب بعدوى الوباء الفتاك الذي عصف بالمغرب الأقصى سنتي 1799 و1800 في عصر السلطان العلوي سليمان، فتوفي إلى رحمة الله سنة 1800 على رأس القرن التاسع عشر، ودفن في قرية إيرغ بالأطلس الكبير.

مصادر ومراجع

  • (الحضيكي) محمد بن أحمد: "طبقات الحضيكي"، تحقيق وتقديم أحمد بومزكو، الطبعة الأولى 2006، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء،
  • (أفا) عمر: "المؤلفات الفقهية الكاملة للعلامة عمر بن عبد العزيز الكرسيفي"، جمع وتحقيق، الطبعة الأولى 2006، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
  • (الطرنباطي) محمد بن مسعود: "بلوغ أقصى المرام في شرف العلم وما يتعلق به من الأحكام"، تقديم وتحقيق عبد الله رمضاني، مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث، منشورات الرابطة المحمدية للعلماء، الطبعة الأولى 2008، نسخة ورقية.
  • (السوسي) محمد المختار: "المعسول في الإلغييين وأساتذتهم وتلامذتهم وأصدقائهم"، الجزء 17، ص: 81، نسخة إلكترونية.
  • (السوسي) محمد المختار: "سوس العالمة"، مطبعة فضالة – المحمدية، الطبعة الأولى 1960، نسخة إلكترونية.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.