شعار قسم مدونات

الديمقراطية العربية بين توماس هوبز ومحمد عبده

midan - الإمام محمد عبده
الإمام محمد عبده (الجزيرة)

قررت أن أقوم بتطبيق مبدأ التصويت في أي قرارٍ ولو كان صغيرًا أتخذه في حياتي العائلية؛ فقمت بتجربة صغيرة كي أثبت مبدأ التشاور والديمقراطية في فكر أولادي الصغار، من مبدأ تحفيزهم على المشاركة في صنع القرار، وأن صوتهم قادر على أن يغير في أي معادلة. فطرحت موضوعًا للتصويت؛ ففريق اختار القرار "إكس" (X) والفريق الآخر اختار "واي" (Y)، ففاز من اختار القرار الأول، ولم تعجب النتيجة الخاسر، فلم يتقبل اللعبة وقرر الانسحاب منها محاولا أن يغير النتيجة؛ فهذا التصرف هو طبيعة بشرية وجزء من الفطرة البشرية، ولكن هذه القصة هي أشبه بالكيانات العربية الحديثة والعالم الثالث، وهي دول حديثة النشأة وديمقراطيتها طفولية.

إن الديمقراطية مسارٌ طويل من التجارب والطريق الشاق الذي يأخذ أشكالًا وأبعادًا قبل الوصول إلى النتيجة المرجوة، والدول الأوروبية -وليس كلها طبعًا- لم تصل إلى الديمقراطية بالصدفة وبشكلٍ فجائي؛ فلقد مرت بحروبٍ واقتتالٍ بدأت بالحروب الدينية والطائفية وانتهت مع مؤتمر وستفاليا، الذي حوّل الصراع من صراعٍ بين البروتستانت والكاثوليك إلى صراعٍ قومي، ويعد بداية تاريخ إنشاء فكرة الدول القومية، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، وهي حروبٍ بين قومياتٍ متسلحة بأيديولوجيات حتى انتهت تلك الحروب وأرست الديمقراطية فلسفتها عبر انتخاباتٍ ومؤسساتٍ سياسية مستقلة عن بعضها البعض، كأن الحروب والاقتتال مرحلة أساسية للوصول للديمقراطية عبر التجارب الإنسانية التي تكللت كثيرًا بالفشل.

إذا، إن الديمقراطية نتيجة مراحل وتجارب حتمية للوصول لها؛ فالمرحلة الأولى ذكرها طوماس هوبز والشيخ محمد عبده في تاريخين وثقافتين ومصطلحين مختلفين، ولكن المعنى واحد؛ فلقد وُلد وعاش توماس هوبز في مرحلة زمنية حساسة في القارة الأوروبية، وتحديدًا في بريطانيا، في وقت اضطراباتٍ وحروب طائفية بين البروتستانت والكاثوليك، وهي إحدى المراحل الحتمية للوصول للديمقراطية، تلك الأحداث أسهمت في إنتاج أفكار كتابه الشهير" دولة الوحش" (Leviathan)، فلقد نظّر هوبز للعقد الاجتماعي وقسم كتابه إلى قسمين: الجزء الأول عن الإنسان وطبيعته، والجزء الثاني عن الكومنولث.

وتبحّر في نظرية العقد الاجتماعي، حيث يقوم الإنسان بالتنازل عن حقوقه تجاه الحاكم الذي يجب أن تكون لديه صلاحيات مطلقة، طبعًا وفقًا للمعايير المتعارف عليها؛ فهذه هي الاستبدادية المطلقة التي تتركز فيها كل السلطات بيد الحاكم، حيث تكون السلطة المركزية قادرة على إنشاء دولة قوية تؤمّن حاجات المواطن، وتدمج الاختلافات وتصهرها في مجتمع متماسك، وهكذا تتكون "دولة الوحش".

أما محمد عبده مفتي مصر آنذاك، الذي انتقل من الإنسان الثوري الذي أسهم في ثورة أحمد عرابي إلى الإنسان الإصلاحي الذي أدرك أن الثورات في دولنا غير قادرة على إنتاج الدولة التي نطمح إليها؛ فكان براغماتيًا إلى أقصى الحدود في كيفية إنتاج الإصلاح في وجود الاحتلال الإنجليزي، ولكنه أنتج مصطلحا غريبا غير مألوف، وهو "المستبد العادل"، فإن أهم خلافه مع أستاذه جمال الدين الأفغاني أن الأخير كان يرى أن الأمة تحتاج إلى مجلس نوابٍ منتخب كي تلحق بركاب الحضارة الغربية التي سبقت الأمة في الأنظمة السياسية التي أدت إلى التطور الصناعي والفكري، أما عبده فكان يرفض الديمقراطية لأن الأمة غير مستعدة لهذه الخطوة، فطرح فكرة المستبد العادل، وهي أشبه بالسلطة المطلقة التي يمتاز بها الحاكم، شرط أن يكون عادلا.

فهذه نظرية لا تتفق مع الفكر الغربي ولا الفكر الإسلامي اللذين يُقران بفصل السلطات ومحاربة الأنظمة الاستبدادية، ولكن نظريته تتطابق جزئيًا مع ابن خلدون الذي قال إن العرب لم يتجمعوا تحت أي دولة إلا دولة الإسلام التي استطاعت أن تحقق ما عجزت عنه كل الدول.

أما في واقعنا العربي اليوم، فنحن لم نمر بما مرت به أوروبا من التجارب حتى وصلت إلى الديمقراطية، الطريق طويل وشاق وهذا ما يُظهر أن الديمقراطية العربية لا زالت غير ناضجة، وهي تمر في فترة الطفولة، فلقد خرجنا للتو من الاستعمار ولا زلنا نعيش في فترة "الاستحمار"، وهي السلطات المستبدة التي ترفع شعار الديمقراطية ولكنها تسيطر على موارد الدولة وثروات الأمة وتابعة للغرب؛ لذلك لم تنجح الديمقراطية حتى يومنا هذا؛ فهي من ثورةٍ إلى ثورة مع ثورتها المضادة، ولكن من خلال نظرية هوبز التي تلتقي نوعًا ما مع محمد عبده، فإن الأمة عليها أن تمر بمراحل للوصول لهذه التجربة، ولكنها لا بد أن تمر بمرحلة "المستبد العادل" الذي يقيم "دولة الوحش" التي وظيفتها أن تُهيئ الشعوب لحرية الاختيار وقبول نتائج تلك التجربة، فإن الدولة المركزية مع عدالة الحاكم مرحلة حتمية نوعًا ما تسبق الديمقراطية المُطلقة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.