شعار قسم مدونات

الحزام السوداني.. الأرض والناس

عضوية السودان في هذا الحزام كانت متفاعلة مع أجزائه الأخرى، ونوافذه على بقية العالم الإسلامي، والعالم. (الجزيرة)

هذه الفرضية لا أنفرد بها، بل قالها قبلي كثيرون، أبرزهم صديق عبد الهادي في كتابه "الحزام السوداني"، ولكن هذه الفرضية عايشتها شخصيا باحتكاكي بالجاليات الأخرى المقيمة حولنا في ضفاف الخليج، وبشيء من التحليل والمقارنة والاستماع تجد أنك أمام فرضية قوية جديرة بالمناقشة.. تتعلق بالسودان وأرضه وشعبه وناسه وتاريخه وجغرافيته.

فالحزام السوداني كيان بشري جغرافي يمتد بين المحيط الأطلسي والبحر الأحمر والهضبة الحبشية، وشمالا من النوبة المصرية وما وازاها غربا حتى حواف الغابات جنوبا في ما يوصف بجنوب الصحراء، يختلط في دماء أهله وسكانه العرب والحاميون معا، يتحدثون العربية وإلى جانبها عشرات اللغات، وكلهم أهل سنّة مالكيون، متصوفة، يحتفظون ببقايا تديّن قديم ينبعث في الأشكال الشعبية للتدين.

هذه السمات العامة تزداد في أماكن بنسب، وتقلّ في أماكن أخرى، فبينما تتضح العروبة في الملامح والقسمات في مواضع، تأتيك الزنوجة البيّنة في مواضع، وبينما تجد نفسك تتحدث عربية فصحى، إذا بك تستمع إلى لغة أخرى مختلفة، ستجد تديّنا لا تجهد كثيرا في عزوه لأصول أفريقية، وتديّنا آخر ستجد له نظائر في طرائف الأعراب التراثية في الجزيرة والهلال الخصيب.

ومن أدلة ذلك أن السودان البلد الحالي كان له نظير في غرب أفريقيا هو مالي التي عرفت طويلا بالسودان الفرنسي، وبينما حلّت مالي تشابه اسمها مع السودان باختيار اسم مملكة مالي، كان السودان في نقاش على اختيار اسم له، كما أن من أدلة ذلك أن الموريتاني هاجر إلى شتى بقاع العالم لكنه آب إلى موطنه، إلا إن هاجر إلى موطنين: الحجاز والسودان، ففي الأول سرّه الروحي، وفي الثاني تشابه الحياة والعيش.

والطريف أن الحزام السوداني لم يعرف الدولة المركزية رغم أنه عرف ممالك منذ عرف المجتمعات البشرية، فطبيعة جغرافيته لم تسمح بتوطّن طويل الأمد بل بمحطات القوافل التجارية والموانئ النهرية التي تستطيع كل منها تكوين كيان مستقل، لكن على أي حال ظهرت ممالك مسيحية كمقوريا -المقرة عند العرب- وعلوة في السودان، ثم ممالك المسلمين المتتابعة من سنار والفور والبرنو والكانم ومالي والصنغاي حتى مدن شنقيط.

ومع جدالات الهوية، هل تنازعت الحزام السوداني مشكلة الزنوجة والأفرقة أم الإسلام والعروبة؟ أخفقت النخب في التفاعل البنّاء مع هذه القضية، فصداع النخبة مزمن في هذا الحزام، وحسبك اضطرابات السياسة في بلدانه، وكلها تتصل بأعراقه، وتعجز عن فهم مزاجه الخاص وتركيبه المميز.

وعضوية السودان في هذا الحزام كانت متفاعلة مع أجزائه الأخرى، ونوافذه على بقية العالم الإسلامي، والعالم، فالسودان استقبل المسيحية الأرثوذكسية من الشمال، كما استقبل قبلها الآلهة المصرية ولاقح بين هذه ومكوناته الأصيلة في ذاته، ثم جاء الإسلام الحنيف، فتشرّبه السودان بترفق وتدريجية استمرت 600 عام، واختار السودانيون مذهب مالك لأنه مذهب أهل الحجاز، فقد كانت الأشواق سببا في ذلك، فالعربي المهاجر أراد ما يربطه بموطنه القديم، فاختار هذا المذهب، وليس هذا قولي، بل تحليل من العقاد في كتاب له عن شاعر إسباني حاز نوبل للآداب في الستينيات.

وتلقى السودان ثقافته الإسلامية من مصر والمغرب والحجاز، وقدمها للمحيط من حوله، أما موريتانيا فمنحت السودان الوعّاظ الجائلين الذين لطالما زاروه في طريقهم للحج، واستقروا فيه عند عودتهم من هذه الرحلة القدسية، كما تلقى من مصر بدايات الإدارة الحديثة وشكل الدولة المعاصر مع الحقبة التركية السابقة ثم محاولات صنع الدولة الحديثة في السودان المعاصر على نمط ليبرالي آمن بالديمقراطية، وحارب لأجل السلطة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.