هل قرأت كتاب "كن بخير"؟

لماذا نحتاج للصمت والهدوء في حياتنا المعاصرة؟
نحن مدعوّون لنكون بخير في مواجهة الحزن (شترستوك)

بين حين وآخر يجد أحدنا نفسه محاطًا بالمتاعب والهموم، ينتظر أن تمتد إليه يد حانية تربت على كتفه لتواسيه بكلمات طيبة.

فإن كان صاحب اليد قد خَبِر النفس البشرية، ودرس علومها؛ زاد مؤكدًا للمهموم أن لديه طاقات وإمكانات يمكنه بها أن يقهر الهم وينتصر عليه، بل يمكنه أيضًا أن يخرج من محنته أقوى وأصلب من ذي قبل.

تلك اليد الحانية، وذاك الفهم الواعي تأمل الدكتورة عائشة العمران أن يصِلانا من خلال كتابها الذي جاءت الدعوة: "كن بخير" عنوانًا له، وردّدتها فصوله الستة.

يدعونا الكتاب لنكون بخير من الداخل بأن نقترب من الله موقنين أنه أعلم بحالنا منا، مسلِّمين باحتياجنا المطلق إليه، لنسأله أن يكون عوننا في الشدائد والكربات. وينبغي العلم بعد ذلك أنَّ معرفة أيٍّ منا بنفسه لا يدانيها معرفة شخص آخر به، وعلى هذا فأنت من سيحدد ملامح الطريق التي ستُخرجِك من أي أزمة بعد الاستعانة بالله، فما يناسبك أنت مختلف عما يناسب غيرك، والتغيير الذي تسعى إليه لا يمكن إلا أن يبدأ من داخلك، بأن تتغير نظرتك إلى نفسك، فتتحسّس ما تملكه من أدوات التغيير، وتُحسن استخدامها على نحو إيجابي مثمر؛ وتباشر العمل على التخلص من مسبّبات الألم والضيق من دون تأجيل لكيلا تتمكن من نفسك، فتورثها الاضطراب. وبعدئذ تخلَّص من الخوف، وواجه واقعك الذي صرت أكثر وعيًا بحقيقته.

نحن مدعوّون لنكون بخير في مواجهة الحزن؛ فالحزن إن مرّ بنا لا ينبغي أن يكون إلا عابرًا لا يستوطن النفس، ولا بد من الابتعاد عن مسبّباته، والحدّ من تأثرنا به؛ وإذا كان بعض الحزن شيئا لا بد منه، فلنجعله حافزًا لاستنهاض قدراتنا الذاتية في مواجهته، ووقودًا لنا لمتابعة السير في مشوار الحياة، ولنكن على يقين بأن هناك من تعرض لأسوأ مما أصابنا وتجاوزه، فلا ينبغي أن نكون أقل عزيمة من غيرنا، ولنعلم أن الانهزامية التي يعدّها البعض من مسلّمات الحياة ما هي إلا حالة ذهنية فحسب.

إعلان

وإن ما يسبب لنا الأحزان لن يكون نهاية العالم، فلا ينبغي أن نطيل الوقوف عنده، لأن الحياة ستستمر، فلنمض معها بحلوها ومرّها.

نحن مدعوون لنكون بخير فالفرج قريب؛ فإذا كانت الدنيا بأسرها زائلة، فلا شك أن الهم أسرع زوالًا، فلننتظر صبحًا قريبًا يعقب الليل. وكما يأتينا الفرج علينا أن نأتيه بأن نبحث في مساحة الممكن الواسعة حولنا، ولا نلزم أنفسنا بخيار وحيد، ولنبحث في الحلول القريبة قبل أن ننظر إلى البعيد، ولتكن قراراتنا عقلانية حكيمة غير انفعالية.

أنا وأنتم مدعوّون لنكون بخير ونحافظ على أنفسنا، فنسامحها ولا نجعل أخطاءنا أبوابًا للشيطان، يدخل منها ليقنعنا أنّنا سيّئون، فنرتكب مزيدًا بهذا المبرر؛ وعلينا أن نحب أنفسنا، ونترفّق بمشاعرنا، ولنعلم أن من حق أنفسنا علينا أن نختلي بها، ونتصالح معها حتى نبلغ مرحلة السلام الداخلي الجميل، ولنعلم كذلك أن كل محاولاتنا لتحقيق الأهداف الإيجابية هي شيء إيجابي، حتى إن لم نرَ ثمرته، فيحقّ لنا أن نسعد به، لا سيما أن انشغالنا بهذه المحاولات يلغي الفراغ، والفراغ أصل الشرور، فنحن بما نفعله نبتعد عن الشرور.

نحن مدعوون لنكون بخير مع الآخرين بألا ننتظر منهم أشياء كثيرة، ولا نتسوّل محبّتهم، فالاعتماد على الذات يختصر على الإنسان مراحل من القهر، والجهود التي نستنزفها في محاولة تغيير الناس من حولنا، وقد يكون من الأجدى الاستعاضة عنها بتغيير أنفسنا لنتأقلم مع عيوبهم. ولكننا في المقابل نقابل من أحبّنا بالحب، ونشكره على تدخله في حياتنا إذا كان هذا التدخل سيمنعنا من إيذاء أنفسنا.

نحن مدعوون لنكون بخير، فنمارس مهارات السعداء، ونفسر الأحداث فور وقوعها بالخير، ونتفرج بأريحية على همومنا الصغيرة وأحداث يومنا التي لا يد لنا فيها، ونعلم أن كل شيء يبدأ صغيرًا ويكبر، إلا الحزن يبدأ كبيرًا ويصغر، بل إنه يتحول إلى حكمة، والحكمة سعادة.

وفي سعينا إلى التغيير العميق لا بأس أن نسير بخطوات صغيرة مستمرة منتظمة، وأن نلجأ إلى الحلول الوسط كلما دعتنا إلى ذلك الحاجة، كي نستطيع إكمال مشوار الحياة بسلام داخلي ونجاح على أرض الواقع.

ونمارس مهارات السعداء بالعودة إلى هواياتنا التي نحبها لتتضاءل همومنا ونتفادى المشكلات الحياتية، ونسعد كذلك بتجنب الغرق في روتين يعلقنا ويسيطر على مسار حياتنا.

ونسعد في رحلة الحياة بأن يكون لنا عالمنا الخاص الكامن في داخلنا، الذي يحدد طريقة تعاطينا مع الأحداث، ويجعلنا نقتنص فرص الفرح الصغيرة، لنتنفسه بعمق، بدلًا من أن ننتظر ظروفًا مثالية قد لا تأتي.

هذه إطلالة على الكتاب من بعيد، لكن الكاتبة تودّ أن تجعله قريبًا من الروح، وأن يكون بجانبك حين يباغتك الوجع لأي سبب كان، لتلتقطه بيديك قبل تهوي بقلبك في يمّ الحَزن العميق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان