كوني أنثى وكفى..

المرأة كائن متعدد الأوجه والقوى والطاقات فهي الأم والبنت والأخت والزوجة والخليلة (الجزيرة)
  • 6 حيل لإقناع الشريك بالارتباط
  • 7 تصرفات يحبها الرجل في المرأة
  • 8 قواعد لحياة زوجية سعيدة
  • كيف تثيرين غيرة الرجل؟
  • كيف تصبحين أميرة زوجك؟

هي كلها عناوين وهمسات بل وهلوسات تصادفها النساء العربيات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، فمنهن من تنخرط في الحين في قراءة متأنية وكأنها عثرت على جوهرة نادرة أو اكتشفت للتو مقولة فلسفية قادرة على تغيير سيرورة العالم بأسره؛ ومنهن من تمر عليها مرور الكرام، هذا إن لم تبد سخطها ونقمها على هذا المستوى المتدني من التفكير.

فمثل هذه المقولات تعد تقصيرا في حق المرأة، تلك المرأة التي حباها الله -عز وجل- كل مقومات التميز والتألق والإشعاع، تلك المرأة التي بإمكانها أن تعيش أميرة لنفسها وأسرتها حتى قبل ظهور الفارس المقدام الذي قد تجد فيه انعكاسا لروحها أو دمارا شاملا لحاضرها ومستقبلها وكيانها المرهف!

فالشريك يبقى شريكا فقط، هو نصف الحياة وليس كلها.. هو زوج يحترم ويُحترم ويتحمل مسؤوليات تليق به حسب الأعراف والمجتمعات، ويترك أخرى جسيمة لا ولن يقدر عليها أحد سوى امرأة!

وبالعودة إلى زمننا الحاضر، نلاحظ أن مجتمعنا النسوي بات ينقسم إلى 3 فئات أساسية: منهن نساء يجاهدن في البيت والعمل ويضحين في معظم الأحيان بتفاصيل وحيثيات كفيلة بإبعادهن عن مملكة النساء، ثم القابعات في بيوتهن بدون أفق ولا طموح ولا حتى حلم، كزرع يخشى شتاء وشمسا لن يُزهر من دونهما؛ وأخريات كل همهن الإشعاع الزائف والتمرد على الدين والشرف والأخلاق باسم حضارة قذرة.

والواقع أن البطولة الحقيقية للمرأة لا توجد في جنبات البيوت المنسية، ولا في أروقة المعارض والفنادق الراقية، بل في تقديرها لنفسها وتصورها لمستقبلها وطموحاتها وأحلامها الوردية. فماذا سيستفيد المجتمع مثلا من امرأة كل همها قوام ممشوق ووجه حسن وأنف مستقيم… امرأة تبكي على ظفر منكسر ولا تندم على كرامة مهدورة… امرأة شغلها الشاغل هو البحث عن وصفات الجمال وتمارين التخسيس وسبل الحفاظ على شباب لن يدوم؟!

فالمرأة كائن متعدد الأوجه والقوى والطاقات فهي الأم والبنت والأخت والزوجة والخليلة، هي الإبداع والجمال والضعف والقوة والصفاء والبهاء. هي السلطانة الحاكمة، والتاجرة الرابحة برأس مال وحيد أوحد وهو أنوثتها وأمومتها، وقدرتها على منح حياة جديدة لأطفال يضمنون استمرار البشرية ويرتوون منذ نعومة أظافرهم من حُنوِّها ورقتها وعطائها المطلق اللامشروط، الذي يرافقهم وهم رجال في صورة ثانية لزوجة مصون ما كانوا ليتحملوا قسوة الحياة لولا وجودها وسحرها الفتاك!

فكل تجليات الجمال في العالم ارتبطت منذ القدم بالمرأة.. حيث قُدِّمت لها أروع باقات الورود، وسُبكت لأجلها حلي بديعة ومجوهرات أخّاذة وكُتبت أشعار خالدة تتغزل في تفاصيل ملامحها كما ورُسمت على شرفها لوحات أسطورية ومنحوتات فريدة.. فحتى الطفل الصغير ما إن يتعلم مسك القلم حتى يفكر في إهداء أمه أجمل قلب وأروع الكلم!

وقد خلد التاريخ قصص حب أسطورية تمحورت كلها حول جاذبية وسحر نساء عاديات في زمن لا يعترف بالمساحيق التجميلية وعمليات الشفط والنفخ التقويمية أو "فلترات التصوير" فهذا قيس بن الملوح الذي عُرف باسم حبيبته حتى سمي "مجنون ليلى" من فرط حبه لها وأنينه على فراقها، وقد كاد يُجَن فعلا، بعد رفض زواجه منها وسار هائما بين الوحوش والنبات في الغابات البعيدة يشكو بثه وضعفه إلى أن مات من فرط الأسى، وقد قال في إحدى أشعاره الخالدة:

أُحِبُّكِ يا لَيلى مَحَبَّةَ عاشِقٍ

عَلَيهِ جَميعُ المُصعِباتِ تَهونُ

***
أُحِبُّكِ حُبّاً لَو تُحِبّينَ مِثلَه

أَصابَكِ مِن وَجدٍ عَلَيَّ جُنونُ

***
أَلا فَارحَمي صَبّاً كَئيباً مُعَذَّباً

حَريقُ الحَشا مُضنى الفُؤادِ حَزينُ

***
قَتيلٌ مِنَ الأَشواقِ أَمّا نَهارُهُ

فَباكٍ وَأَمّا لَيلُهُ فَأَنينُ!

وذاك عنترة بن شداد الفارس المقدام الذي ربح جل الحروب، لكنه ضعف أمام معركة فؤاده بعد أن سقط أسيرا لحب ابنة عمه وقام بمهمة أسطورية معقدة لينال شرف الارتباط بها. وكذلك أنطونيو الذي ترك مستوطناته في روما، وراح يبحث عن الاستقرار بجانب حبيبته كليوباترا في الإسكندرية، حتى اندلعت حروب ضده خسر فيها الغالي والنفيس. ولعل أعظم قصة حب يستوجب علينا سردها في سياق هذا الحديث هي تلك التي أوجدها الله -سبحانه وتعالى- على الأرض حين خلق حواء من ضلع آدم بعد أن استوحش وحدته في الجنة، فهل تتخيلون جنة رتيبة كئيبة في غياب امرأة؟ وهل يكون وجود الأنثى -يا ترى- بمثابة نفحة من نفحات النعيم والجنان على الأرض؟!

وحتى في عالم الحيوان، نجد أن الأنثى تظل هي الذات المهيمنة والمسيطرة، فعلى رأس مملكة النحل نجد ملكة وُلدت بمبيض ضخم وقدرة هائلة على وضع البيض، وبدونها لن تكون هناك خلية ولا إنتاج للعسل ولا استمرار لهذا الملكوت الرباني العظيم المرتبط أساسا بالوجود البشري. ولنتذكر كذلك أنه ليس باستطاعتنا الاستمتاع بجمال ريش الطاووس وحركاته المتناغمة ومشيته المختالة، إلا إذا قرر إغراء أنثى لا تملك حتى ربع جماله وريشه. وحتى العقارب والأفاعي رغم أشكالها القبيحة وسمومها المميتة، يبدون رومانسية حالمة أمام الإناث حيث ترقص العقارب رقصة التزاوج وتلتوي الأفعى الذكر على الأنثى ويضمها ضمة لا انعتاق منها إلا بعد انتهاء وصلة الغزل. وبالعودة إلى مملكة النحل، وجب التذكير بأن ذكر النحل قد يموت بين أحضان السماء في محاولة منه لإخصاب ملكة يتهافت عليها ملايين الذكور في محاولة تزاوج انتحارية.

ومن ثم فلنستوعب جميعا أن المشكل لا يكمن في تقدير العالم للأنثى، ولكن في عودتها هي لنفسها عودة واثقة جميلة وهادفة، وإيمانها بقدرتها على استقطاب كل ما هو جميل بل وتحويل القبح إلى لطف والشدة إلى ليونة والكتمان والتجاهل إلى الجهر والنسيب؛ فهي تمتلك سحرا من دون شعوذة أو طلاسم؛ لأنها -وبكل بساطة- أنثى. ومهما اختلفت المعايير والأزمنة يبقى لكل امرأة جمالها ودفئها، ولكل رجل زاوية مختلفة للإدراك واستقبال الإغراء. فما المرأة البدينة سوى راقصة ماهرة على أوتار ملذات الحياة، هي تماما كالبدر حين يستدير ويلقي بهيلمانه على أطراف السماء، وما الرشيقة الممشوقة القوام سوى فراشة تطير وتحلق في فضاءات الأنس والسعادة مثل الهلال الذي كلما برزت نحولته كلما جذب الأعين برونقه أكثر فأكثر، وما السمراء سوى مصدر إلهام للشعراء، وما المطلقة سوى مشروع سعادة مؤجلة، وحتى إن تعلق الأمر بعجوز عزباء فلربما لم يدرك سرها رجل عادي أو أن نقاوة روحها أبت إلا أن تصعد نقية طاهرة للسماء تماما مثل حورية ناعمة. أو ليست الحور العين في حد ذاتها خير ما يكافئ به الله -عز وجل- عباده المؤمنين الصالحين في جنات الخلد والنعيم!

إذنً "كوني أنثى وكفى"؛ فالحياة لا تقتصر على رجل لأنها في حد ذاتها مؤنثة؛ والجنة بوعودها وذخائرها مؤنثة؛ والسعادة مؤنثة لأنها تختنق بدون وجود الأنثى. وما التأنيث سوى فخر لكل من عاشت في تصالح مع طبيعتها الأنثوية التي قد يزداد بريقها ويكتمل رونقها تحت ظل رجولة حقيقية تعتبر كل نساء الأرض أميرات حتى لو اقتصر رصيدهن في الجمال على ابتسامة ذكية!