الخير والبركة في وصية رسول الله ﷺ بصداق المرأة

العرس الجماعي شارك به 100 عريس وعروس هدفوا من خلاله لتخفيف تكاليف الزواج ومعالجة غلاء المهور- الجزيرة نت
كل فتاة تحب هذه الزينة (الذهب) الجميلة، لكن بسبب ارتفاع الأسعار يمكن الاقتصار على قطع قليلة تحقق بها سعادة العروس (الجزيرة)

لن أتحدث عن تفصيلات الحديث عن غلاء الصداق ولا حتى ارتفاع الأسعار وغيرها من الأمور التي تكرر الحديث عنها، ولكل طرف فيها حديث، لكن سوف أتحدث عن أمر مُختلف تأملته في وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله "خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ"، ففي كلمة الخير جاءت بمعنى الأفضلية، وبذلك يتحقق هذا الأمر في أن يكون مهر المرأة بعيداً عن المغالاة فيه، وهذا من يُمنها.

وفي قوله ﷺ

إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا

وتأتي معنى كلمة "يُمْنِ" بمعنى البركة. وبهذا تكون أسباب البركة في المرأة التي يتيسر مهرها، أي عدم التشديد من قبل ولي الفتاة في تكثيره بحيث يشق على الخاطب تحصيله.

وهذا منهاج واضح في هذه المسألة، فمن أراد البركة والخير في حياته الزوجية فعليه بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. والخير والبركة كلمتان واسعتان جداً في النعم المتعددة التي سوف يقطف الزوجان ثمراتها في حياتهما من سعادة الدنيا ونعيم الآخرة. وهذا الأمر مشهود على أرض الواقع، فكثير من الأزواج حياتهم غير هانئة؛ بل قد تسودها المشاكل التي تعكر الحياة وتبعد عن استقرارها وهن من ذوات المهور العالية.

قد يراود البعض سؤال: "أيعقل أن هذه الخلافات بسبب المغالاة في المهور؟"، الإجابة على هذا السؤال كلما ابتعدت عن منهج الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- توقع أكثر من ذلك.

أعلم أن الأشياء التي تلزم العروس كثيرة وغالية، والكثير منا يقول "لقد وضعت فوق المهر أضعافا" رغم أن من يقول هذه العبارة لم يوافق على زواج ابنته إلا بعد حصوله على مهر مرتفع في رقمه زاد به مشقة على الخاطب في توفيره. وبذلك قد صرف المهر جميعه ووضع فوقه الكثير حتى يشتري مستلزمات ابنته وتجهيزها.. هذه النقطة التي أريد، فالمال كثير لكن يبدو أن لا بركة فيه.

قد أوافق البعض بأن العروس مقبلة على حياة جديدة وبحاجة لأشياء لابد من تجهيزها بها، وهذا يسعد الفتاة حقيقة بشراء الملبس وأدوات الزينة والعطور والأشياء الجميلة ولها حق بذلك.

وهنا لا أريد أن أضيق واسعاً فهي بالفعل بحاجة لمثل هذه الأشياء وأكثر، لكن الموضوع المهم فيها عدم الرشد في الشراء أي عدم تقسيم الأشياء إلى ضروريات وحاجيات وكماليات، وبذلك يكون هنالك أشياء لابد من تجهيز العروس بها، وهي لا خلاف ولا نقاش فيها، خاصة أنها تتمثل بالضروريات.

وهنالك أشياء أقل من حاجة الضرورة وبذلك تكون الحاجة بها أقل، وهنالك الكماليات التي أقل من الحاجيات وممكن بذلك الاستغناء عن بعض منها. وبذلك لا نضع الكماليات في مرتبة الضروريات؛ بل نهتم بداية في الضروريات والحاجيات وما تبقى من المهر نشتري به الكماليات.

ومن خلال الواقع المعيش حينما أنظر لجهاز العروس الذي يتجاوز 10 حقائب؛ بل ربما أكثر بكثير، وغالباً يتم النظر لعدد الحقائب بقيمة المرأة وخير أهلها، لذلك فإن البعض يرى أنه كلما زادت عدد الحقائب زاد بها كرم عائلتها؛ رغم أن ذلك بعيد عن الحقيقة في الواقع، فالكرم لا يتعلق بعدد الحقائب في مثل هذا الموضع؛ لأن غالب الأشياء تكون من الكماليات والجماليات التي ليس لها أهمية كبيرة.

وأستغرب من البعض في جهاز العروس حيث يكرر موديل الملبس بكافة ألوانه أو موديلات مُختلفة لنفس النوع، وهذا يؤكد أن المهر يُصرف ويوضع عليه أضعاف؛ لأنه يستغرق بعدم توفر الحكمة في صرفه، وغالباً العروس لا تستخدم جميع هذه الأشياء، فلم أسمع مرة بحياتي ولو مرة واحدة بأن تقول عروس "لقد استخدمت جميع جهازي"، وما يزيد الاستغراب أنها بعد زواجها بشهر أو ربما أقل تجدها تتنقل في السوق لشراء المزيد.

وأما الحديث في مسألة الذهب فهذا أيضاً من الأشياء المحببة للعروس، وأنا أوافق ذلك فكل فتاة تحب هذه الزينة الجميلة، لكن بسبب ارتفاع الأسعار ممكن الاقتصار على قطع قليلة تحقق بها سعادة العروس، وبالوقت نفسه لا تشق على العريس في المهر، ولا حتى على أهلها.

وإن نظرنا بنظرة جديدة في المهر سيكون الأمر مُختلفا بشكل أجمل لحياة أجمل، فيها البركة والخير التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأجزم أن هذه البركة سيكون لها الأثر الكبير في حياة طيبة وينتج عنها ذرية طيبة وغيرها من الأمور، فهنا البركة جاءت عامة وبذلك تؤكد أن خيرها كثير جداً لن يكون في الدنيا فقط؛ بل في نعيم الآخرة أيضاً.

والمهر ليس هو مقياسا لقيمة الفتاة فلا يتعنت الأولياء بذلك، فمن حصلت على مهر مرتفع رقمه لا يعني أنها شريفة قوم، ولا يعني من حصلت على أقل منها بأنها وضيعة قوم. وقد يذكرني القارئ بأنه يجوز أن يطلب الولي مهراً كثيراً لابنته ويستدل بقوله تعالى: ﴿وإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْـًٔا..﴾ (النساء:20).

أقول في هذا الموضع لقد ذكرت في الآية الكريمة كلمة "قِنطَارًا" بمعنى "المال الكثير"، وبذلك يتبين جواز الحصول على الصداق المرتفع. وأرى بهذه المسألة أنها تختلف من خاطب لآخر، فقد يكون الخاطب غنيا ومهما دفع من مهر فلا يجد مشقة وتعسيرا في دفعه، وقد يبادر هو بالحديث عن المهر والمبلغ الكبير الذي يريد تقديمه هدية للعروس وعن طيب خاطر، وهذا الأمر يجوز في الشريعة الإسلامية، بينما غيره يستدين ويقع في غم وهم في التفكير بطريقة جمعه وبذلك المغالاة في المهر يكون فيه مشقة للخاطب متوسط الحال.

لكني أجد أن الأفضلية في يسر المهر بما لا يشدد على الخاطب في توفيره حتى ينال الزوجان البركة والخير في حياتهما دنيا وأخرى. ورحم الله تعالى قارئًا دعا لي ولوالدي بالعفو والمغفرة ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).