نسيم الشمائل المحمدية العذب

مدونات - المسجد النبوي الرسول  المسلمين صلاة
صفي الدين الحلي: مُحَمَّدُ المُصطَفى الهادي الَّذي اِعتَصَمَت بِهِ الوَرى فَهَداهُم أَوضَحَ الطُرُقِ (مواقع التواصل الاجتماعي)

لم يكن بُدّ أمام دورة الليل والنهار إلا أن تنتظم الشهور والأيام في إيقاع مجراها، فنستقبل بعد شهر ربيع الأنوار هلالا جديدا، وذلك بعدما جلّت لنا أيام ربيع العطرة ذكرى المولد الكريم وآنستنا بما شرُفت به أبد الأمد، ولكن شهر ربيع ما هو إلا السر الخالد الكامن بكل الأشهر والأوقات نبضا بالوجود البهي الخالد لأكرم الرسل، فبوْح الأمّة عن الشمائل المحمدية قضية وجدان وحياة تعمر القلوب مدى الآناء وليست ذات موسم واحد وينقضي، إنها حديث الدهر وصميم البهاء الذي يغمر جوانب الحياة نَدى ونورا وبركة وإشراقا عندما نتملى الشمائل الكريمة ونعاين ديوانها المبسوط عبر الزمن وعلى امتداد أسْنى العظائم.

يوافينا نسيم الشمائل النبوية العذْب عبر الكلمات الثاوية التي كتبت خلودا عظيما لأمنا خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها وهي تحجز باكرا مكانا أوْفى في المسار الخاص بالحديث البهي عن غُرر الدهر المتمثلة في الشمائل النبوية، وذلك حين قالت "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" فكانت هذه الجُمل الجليلة معالم في خط عظيم سيتضمن الكثيرين ممن حبَتْهم الأقدار بأن يكونوا لاهجين بأسرار النور المحمدي، ومرايا تعكس عبر الكلمات بعضا ولو يسيرا من جلالة ما تضمنته السيرة النبوية على رسولها أفضل الصلاة والسلام.

فانتظمت قوافل المحبين وهم يرفلون عبر حروف الضياء في مقام الإكرام الذي جعلهم في موقع خاص تسَنّى لهم من خلاله أن ينظموا المديح، فكان حسان بن كعب متقدما وبيده اللواء وأبياته السّنِية سرور وسعادة للزمان:

أغرُّ، عليهِ للنُّبوَّةِ خاتمٌ

مِنَ اللَّهِ مَشهُودٌ يَلوحُ ويُشهَدُ

وضَمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ

إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ

نَبيٌّ أتانَا بَعدَ يَأسٍ وفترَةٍ

مِنَ الرُّسلِ، والأوثانِ في الأرضِ تُعبَدُ

فَأمْسَى سِرَاجًا مُستَنيرًا وهَادِيًا

يَلُوحُ كَما لاحَ الصَّقِيلُ المُهنَّدُ

وظلّت قِباب هذا الهوى موئل اللاهجين بخير المديح، المعاينين لأبهى الشمائل:

من ذا الذي ما ساء قطْ .. ومن له الحُسنى فقطْ

محمد الهادي الذي .. عليه جبريل هبط

ولا تمضي العصور في جَنبات القرون حتى يبدو ويظهر ذلك الفريق المتدثر بهذه المحبة والهيام أشعارا رائدة تأخذ طريقها، فيشكل البوصيري محطة ويصنع من لآلئ كلماته مآذن يقرأ عبرها للأمة أفضل ما تنام وتصبح عليه من الأشعار:

هْوَ الـــذي تَمَّ معنــاهُ وصورَتُهُ

ثم اصطفـاهُ حبيبًا بارِئ النَّسَــمِ

مُنَـزَّهٌ عـن شـريكٍ في محاسِــنِهِ

فجَـوهَرُ الحُسـنِ فيه غيرُ منقَسِـمِ

دَع مــا ادَّعَتهُ النصارى في نَبِيِّهِـمِ

واحكُم بما شئتَ مَدحَاً فيه واحتَكِـمِ

وانسُبْ إلى ذاتِهِ ما شئتَ مِن شَرَفٍ

وانسُب إلى قَدْرِهِ ما شئتَ مِن عِظَـمِ

فَــإنَّ فَضلَ رســولِ اللهِ ليـس له

حَـدٌّ فَيُعـرِبَ عنـهُ نــاطِقٌ بِفَمِ

وعلى المنهل العذب تلوح إلى جانب البوصيري أسماء شعرية أرادت ألا يفوتها الحضور في ظلال الألق، فقال صفي الدين الحلي:

مُحَمَّدُ المُصطَفى الهادي الذي اِعتَصَمَت

بِهِ الوَرى فَهَداهُم أَوضَحَ الطُرُقِ

وَمَن لَهُ أَخَذَ اللَهُ العُهودَ عَلى

كُلِّ النَبِيِّنَ مِن بادٍ وَمُلتَحِقِ

وَمَن رَقي في الطِباقِ السَبعِ مَنزِلَةً

ما كانَ قَطَّ إِلَيها قَبلَ ذاكَ رَقي

وَمَن دَنا فَتَدَلّى نَحوَ خالِقِهِ

كَقابِ قَوسَينِ أَو أَدنى إِلى العُنُقِ

ولم يستقر الأمر عند هذا المطاف، وأنّى له أن يكون، فالرحلة مستمرة والدرب شاسع وعريض عريض، وشاعر العربية أحمد شوقي ليس إلا صاحب نموذج لعمّار هذه الصفوف الممتدة مدّ البصر:

محمّد صفوة الباري ورحمته

وبغية الله من خلق ومن نسم

….

وصاحب الحوض يوم الرسل سائلة

متى الورود؟ وجبريل الأمين ظمي

….

سناؤه وسناه الشمس طالعةً

فالجرم في فلك والضوء في علم