شعار قسم مدونات

زمان التيه..

وُلدت فيهم عزيمة جعلتهم ينتشرون في أصقاع الأرض لينشروا النور الذي سطع فيهم (مواقع التواصل)

لفظة التيه يلتقي عندها معنيان يتنازعانها، فمن التيه عجب وافتخار، ومن التيه شرود وضلال؛ وما نشير إليه هنا ثانيهما لا الأول، وهو الذي تحمل معانيه غياب الرشاد وتكريس الحيرة والضياع.

تيه قد يعلقنا حيال أمر عابر يعترضنا فيجعلنا نشذ عن حسن التصرف والسلوك، وتلحقنا أضرار يرسم معالمها وحدودها حجم وأهمية ذلك الأمر العابر؛ أو تيه يصيب فهم الإنسان علاقته بخالقه، أو الدين الذي يدين له به، وهنا يستفحل الخطر ويتعاظم حتى يتجاوز كل الحدود، وذاك هو التيه حقا، أما ما دون ذلك فأمره يهون.

لكأنه صار يلفنا التيه، ونكاد نغرق في التيه حقا.

ألا وإنه لا يعرف نعمة الخروج من التيه مثل الذي عرف شقاء العيش فيه. وقد عرف أصحابُ محمد -صلى الله عليه وسلم- كليهما، فقد هُدوا إلى صراط الله المستقيم بعد أن كانت تتخطفهم الأهواء والسبل، ومشوا على بصيرة بعدما كانوا يتخبطون في الظلمات، فوُلدت فيهم عزيمة جعلتهم ينتشرون في أصقاع الأرض لينشروا النور الذي سطع فيهم، ويؤدوا المهمة التي لخصها ربعي بن عامر بقوله: "الله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".

وفي بوتقة هذا الدين انصهرت أمم مختلفة وشعوب متباينة لتشكل نسيجا واحدا متماسكا أصلح دينه، فصلحت له دنياه.

الله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله،

ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

ومضت سنوات وعقود على انطلاق دعوة الإسلام، واتسعت رقعة الدولة، فبرزت أفكار ومناهج ربما اتصل بعضها بموروث فكري قديم لأمم دخلت الإسلام، أو بتأثير فلسفات اطلع عليها المسلمون ودرسوها، أو جاء نتيجة للتفاعل مع الأحداث التاريخية في حينها، فنشأت في الأمة الواحدة فرق ومدارس مذهبية عدة، كان بينها قدر من التباين في فهمها وتفسيرها لمسائل دينية. وظهرت في المجتمع الإسلامي جماعات سياسية كالشيعة والخوارج، ومدارس عقدية كالجبرية والقدرية، ومذاهب فقهية كالحنفية والشافعية. ولئن نتج عن ذلك صراعات دارت بين التيارات السياسيّة الناشئة، فإنها لم تصل إلى الحد الذي تشكل معه خطرا وجوديا يهدد كيان الأمة، كما أن هذا التلون آنذاك قد شكل غالبا في شقه غير السياسيّ مظهر ثراء علمي، لا مظهر تشتت وفرقة.

وتواصل هذا التحول منذ أن بدأ، لكن حدّته لم تصل في أي عصر سابق إلى ما وصلت إليه في عصرنا هذا؛ فقد تشكلت في هذا الزمان عناصر جديدة أُضيفت إلى القديمة، لتدعم أسباب ظهور الفرق والاتجاهات المتباينة، وترسخ حالة التمزق والتشرذم في نسيج الأمة؛ وأغلب هذه العناصر لم يكن إلا انعكاسا لما أصاب الأمة من تخلف حضاري مادي، أضعف شأنها وأثرها بين أمم الأرض.

فحالة التخلف هذه دفعت الكثيرين للبحث في العوامل التي أدت إلى هذا الواقع المأساوي، وصياغة تصوراتهم للخروج منه. وفي قراءة أسباب التخلف -كما في رؤية سبيل الخروج- ظهرت نظريات عديدة، وبرزت مدارس شتى من صوفية إلى سلفية أو جهادية أو دعوية، ولكل منها دعاتها ومنظروها.

والإشارة إلى هذا الجانب لا تنفي وجود أسباب أخرى لنشوء تيارات متباينة في توجهاتها في الأمة الواحدة، ولكن الذي يعنينا هنا أكثر من الإسهاب في عرض الأسباب هو الحديث عن الآثار المترتبة على هذا الواقع.

فالحاصل على العموم، أنه عندما يقدم دعاة فكر إسلامي فكرهم، لا يقدمونه على أنه آراء شخصية، وإنما يعتبرونه الفهم الصحيح لقواعد الدين وأسسه ومبادئه، ويسوقون نصوصا من القرآن الكريم والسنة النبوية في إطار تفاسير تتوافق مع القول الذي ذهبوا إليه؛ فإذا تحوّل المرء في اتجاه آخر وجد جماعة أخرى تتبنى فكرا مغايرا، وتتخذ نهجا مختلفا، وهي في ذلك أيضا تقدم نصوصا من الكتاب والسنة يرون أنها تدعم فكرهم ونهجهم.

وعلى هذا النحو تتعدد الأطروحات والمذاهب وأتباعهم إذ يعتبر كل واحد منها ما لديه يشكل الفهم الصحيح لحقيقة الإسلام. ويترافق هذا الانقسام مع عملية استقطاب يدعو فيها هذا الفريق أو ذاك إلى نهجه وفكره. ووسط هذا المشهد، قد يجد الباحث عن الحقيقة نفسه في حيرة بين دعوات عدة، تحاول كلٌّ منها أخذه إليها، وكلٌّ منها تخالف الأخرى. أما من كان اهتمامه بالحقيقة هشّا، فسيجد مسوغا يساعده على التحلل من ضوابط الدين، لينساق مع لذائذ ومتع دنيوية عابرة، تغريه بالبقاء في غفلةٍ عن آخرته.

وإذا كان هذا حال المسلمين مع إسلامهم، فكيف سينظر غير المسلمين إلى هذا الدين عندما يدعونهم إليه أهله؟! لا شك، أنهم -في الغالب- سيجدون أنفسهم في غنى عن هذه الدعوة، بل إنهم فوق ذلك سيجدون ما يساعدهم على سلخ كثير من أبناء المسلمين عن دينهم، لا سيما وأن بريق الحضارة المادية لدى شريحة واسعة منهم يعطيهم طاقات أكبر على اجتذاب الجيل الحائر.

والمتأمل في ما يجري في عالم اليوم لا يستبعد وقوف قوى عالمية مؤثرة خلف صناعة وتغذية الأيديولوجيات التي تنتهجها بعض الجماعات الفاعلة في المجتمعات الإسلامية إما عن جهل وغفلة من أفراد هذه الجماعات أو عن عمالة وخيانة منهم. فهذا يفيد تلك القوى في اللعب على وتر تناقضات تصنعها في جسد الأمة، لتخلو لها الساحة في امتصاص ما في بلاد المسلمين من خيرات، كما أنها توجِد واقعا تسوده الصراعات يساعدها على بث فكرة في الأذهان تقول إن الدين الذي يضم تحت رايته كل هذه التيارات على ما فيها من تناقضات لا يمكن أن يكون هو الدين الحق.

وعلى هذا، فإنّ بلاد المسلمين اليوم يسودها مشهد مأساوي تطغى عليه مظاهر انقسام عنيف، كثيرا ما يشتد ليصير دمويا، وتؤكد صوره حالة الضعف والتبعية، وتنطلق فيه نظرات حيرى للباحثين عن دعوة الحق وسط الزحام، ولن ينقذ هؤلاء الإشارة إلى هذا الفريق أو ذاك بالقول: "هذا لا يمثل الإسلام"، لأنها عبارة صار الكثيرون يقولونها، وباتت تُقال في الكثيرين.

لقد صار مطلوبا بإلحاح في عصرنا أن يتداعى الغيارى على الإسلام إلى ملتقى لحوار واع منفتح بين أقطاب التيارات الإسلامية، تكون الغاية الأسمى للقائمين عليه الوصول إلى الحق الذي ننجو به، وبيانه والانتصار له، بغض النظر عن موافقته أو مخالفته لما ينادي بها هذا الطرف أو ذاك، لإخراج الباحثين عن الحق من حيرة أوقعتهم فيها اختلافات وتناقضات تلك التيارات.

وسواء حدث هذا أم لم يحدث، فإن الفرد المسلم يبقى مطالبا ألا يألو جهدا في البحث عن الحقيقة، وأن يتسلح بالوسائل التي تساعده على استخلاصها من بين الزيف، لأنه عندما يجدها سيكون قد وجد نفسه، وخرج من التيه.