رهانات البرهان.. لعبة الوقت أم اتفاق مرحلي؟

الاتفاق المتوقع سيتجاوز شرط إعادة حمدوك المستحيل في الأصل؛ لعوامل شخصية تتعلق بحمدوك، وعوامل سياسية لا تخفى على أحد، ولكن شكل تقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين سيبقى بصورة معدلة (وكالات)

تتداخل في أحداث السودان العوامل الدولية والتحركات الداخلية، وكما توقعت -في مقال سابق- فقد اختار الثوار على الأرض العصيان المدني الممرحل، الذي وصل مداه السبت الماضي بتعليق الدراسة في جامعة الخرطوم، مع عدة قطاعات أخرى تواردت الأنباء حولها، في حين فشلت وساطة الجنوب، وصدر بيان الرباعية مطالبا بعودة الحكومة المدنية.

تتابع الوساطات والتراجع عن المطالبة بحمدوك على رأس الحكومة من جانب الأميركيين يمنح البرهان وقتا كافيا لترتيب أوراقه داخليا، وتعيين الموالين له ليكونوا بدلاء في المناصب المختلفة، بحيث يستطيع التحكم في أي حكومة مدنية محايدة تتولى تسيير المرحلة الانتقالية في عامها الأخير، وهذا منطقي للغاية. ومما سيجبر البرهان على قبول اتفاق من نوع ما هو الرفض الأوروبي وما يشبه حنقا أميركيا منه تعبر عنه تصريحات فيلتمان الخارجة عن الدبلوماسية.

والاتفاق المتوقع سيتجاوز شرط إعادة حمدوك المستحيل -في الأصل- لعوامل شخصية تتعلق بحمدوك، وعوامل سياسية لا تخفى على أحد، ولكن شكل تقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين سيبقى بصورة معدلة، وبمجلس سيادي مخفض العدد، وبصلاحيات أقوى للجيش على الأمن والدفاع، وبصلاحيات أقوى للمدنيين، وبوجوه جديدة منهم، وسيبقى نجاح المدنيين مرهونا بإيجاد وجوه جديدة من العسكر من عدمه، وهو ما لا أعتقد أنه سيحدث.

بيان الرباعية -بدوره- له أثره على الأمور في السودان، وفي الوقت ذاته، فإن تطورات الوضع في إثيوبيا، والتغلغل الروسي والصيني في غرب أفريقيا، كل هذا يجعل الغربيين أكثر حرصا على الحفاظ على السودان مستقرا بدون حالة فوضى أو غياب تام للدولة، وبدون حكم لا يستطيعون التفاهم معه أو حكم يواجه ضغوطا شعبية حادة، فعلى الأقل حتى لو جاء البرهان رئيسا، فينبغي أن يكون مسنودا شعبيا بصورة كافية، فالسودان في موقع حساس حيث يتوسط منطقة جنوب الصحراء والقرن الأفريقي معا، ولطالما كان محسوبا على المعسكر الغربي، ولم يفلت من هذا المعسكر إلا لحقبة يسيرة في مطلع حكم النميري.

من ناحية أخرى، فإن موقف الروس والصينيين متوقف على حسابات وتسويات دولية عديدة، ومدى رغبتهم في إيجاد منطقة توتر جديدة قبل توطيد النفوذ الروسي في غرب أفريقيا التي تعود إليها روسيا عقب سنوات طويلة، فمنذ نهاية الثمانينيات لم تعرف روسيا طريقا سالكا لغرب أفريقيا.

أما مصر فلديها خياران، إذ إن الاتفاق المرحلي سيرفع التجميد عن السودان، ويعيده للمفاوضات في سد النهضة، لتكسب نقاطا على حساب إثيوبيا المجهدة حاليا.

داخليا، إن العصيان المتذبذب في بعض القطاعات، والعصيان طويل الأمد في أخرى، يبدو أنه خيار تجمع المهنيين المفضل، ويبدو كذلك أن تجمع المهنيين يدرك خيارات الواقع ويتفهمها، أما قوى الحرية والتغيير في مجلسها المركزي، فيبدو موقفها مرتقبا لنتائج الوساطات متكئة على الدعم الدولي، وقد عاد القوم لما يحسنونه ألا وهو: المعارضة.

وأيا ما يكن، وسواء كان البرهان يلعب على الوقت، ويسمح للوساطات بالذهاب والإياب بين مقره ومنزل حمدوك، في ما هو "لابد فوق راي" بالتعبير السوداني الدارج، أو كان الطرفان جادين في إيجاد حل لسبب أو لآخر، فإن الاتفاق المتوقع سيكون تسكينا مرحليا، وسوف تليه فترة سكون تعقبها خلافات جديدة؛ فالبنود المنشورة لا تختلف كثيرا عن الوثيقة الدستورية إلا في تقديم أو تأخير هنا وهناك، وهو ما يوضح في المحصلة هشاشة بنية الدولة السودانية ومحنة ساسته وعسكره في آن معا.