قراءات وتفسيرات.. هل عمَّ طوفان نوح الكرة الأرضية؟

لم يرد نص قاطع على عموم الطوفان ولا على عموم رسالة نوح عليه السلام (غيتي إيميجز)

تحدث العلماء في هذه المسألة واختلفوا فيما بينهم، ونذكر على سبيل المثال آراءهم في هذا الحدث التاريخي:

أجاب الشيخ محمد عبده عن هذا السؤال فقال

أما القرآن الكريم فلم يرد فيه نص قاطع على عموم الطوفان ولا على عموم رسالة نوح عليه السلام، وما ورد من الأحاديث على فرض صحة سنده فهو آحاد لا يوجب اليقين، والمطلوب في تقرير مثل هذه الحقائق هو اليقين لا الظن، إذا عُدّ اعتقادها من عقائد الدين، وأما المؤرخ ومريد الاطلاع فله أن يحصِّل من الظن ما ترجحه عنده ثقته بالراوي أو المؤرخ أو صاحب الرأي، وما يذكره المؤرخون والمفسرون في هذه المسألة لا يخرج عن حد الثقة بالرواية، أو عدم الثقة بها، ولا يتخذ دليلاً قطعياً على معتقد ديني.

وأما مسألة عموم الطوفان في نفسها فهي موضوع نزاع بين أهل الأديان، وأهل النظر في طبقات الأرض، وموضوع خلاف بين مؤرخي الأمم، وأما أهل الكتاب وعلماء الأمة الإسلامية فعلى أن الطوفان كان عاماً لكل الأرض، ووافقهم على ذلك كثير من أهل النظر، واحتجوا على رأيهم بوجود بعض الأصداف والأسماك المتحجرة في أعالي الجبال؛ لأن هذه الأشياء مما لا تكون إلا في البحر، فظهورها في رؤوس الجبال دليل على أن الماء صعد إليها مرة من المرات، ولن يكون ذلك حتى يكون قد عم الأرض.

ويزعم أهل النظر من المتأخرين أن الطوفان لم يكن عاماً، ولهم على ذلك شواهد يطول شرحها، غير أنه لا يجوز لشخص مسلم أن ينكر قضية أن الطوفان كان عاماً لمجرد احتمال التأويل في آيات الكتاب العزيز، بل على كل من يعتقد بالدين ألّا ينفي شيئاً مما يدل على ظاهر الآيات والأحاديث التي صح سندها وينصرف عنها إلى التأويل إلا بدليل عقلي يقطع بأن الظاهر غير المراد، والوصول إلى ذلك في مثل هذه المسألة يحتاج إلى بحث طويل وعناء شديد، وعلم غزير في طبقات الأرض وما تحتوي عليه، وذلك يتوقف على علوم شتى عقلية ونقلية، ومن هذيَ برأيه دون علم يقيني فهو مجازف لا يسمع له قول، ولا يسمح له ببث جهالاته، والله سبحانه وتعالى أعلم.

ويقول السيد محمد رشيد رضا

وخلاصة هذه الفتوى أن ظواهر القرآن والأحاديث أن الطوفان كان عاماً شاملاً لقوم نوح الذين لم يكن في الأرض غيرهم، فيجب اعتقاده ولكنه لا يقتضي أن يكون عاماً في الأرض، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملؤون الأرض، وكذا وجود الأصداف والحيوانات البحرية في قمم الجبال لا يدل على أنها من أثر ذلك الطوفان، بل الأقرب أنه كان من أثر تكوين الجبال وغيرها من اليابسة في الماء، فإن صعود الماء إلى الجبال أياماً معدودة لا يكفي لحدوث ما ذكر منها، وكما قلنا: فإن هذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد القرآن، ولذلك لم يبينها بنص قطعي، فنحن نقول بما تقدم إنه ظاهر النصوص ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية، فإن أثبت علماء الجيولوجية خلافه لا يضرنا؛ لأنه لا ينقض نصاً قطعياً عندنا.(مهران، 1988، ج4 ص97)

ويقول د. عمر إيمان أبو بكر

لا خلاف بين أهل العلم أن جميع الكفار من قوم نوح قد أهلكوا غرقاً بالماء، ولم ينج منهم إلا من كان على ظهر السفينة ممن آمن بدعوة نوح عليه السلام، ولكن يبقى السؤال: هل المياه عمت جميع أرجاء الأرض المعمورة منها وغير المعمورة ؟ أم أن الإغراق كان خاصاً بالقسم المعمور منها في ذلك الزمان؟

فإذا نظرنا إلى حمل اثنين من كل المخلوقات الأرضية من غير الإنسان، ترجح لدينا أن المياه قد عمت جميع أرجاء المعمورة وغير المعمورة، لأن الغرض من حملها إنما هو خوف انقراضها كلها، ولو كانت هناك مناطق أخرى سلمت من المياه تكون بعض تلك المخلوقات موجودة فيها، وعليه فلا يكون لحمل بعضها على السفينة حاجة، وهذا هو الذي يفهم من كلام ابن كثير حيث قال: وعم الماء جميع الأرض طولها، وعرضها، سهلها وحزنها، وجبالها وقفارها ورمالها، ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف، ولا صغير ولا كبير .(النجار، 2002، ص65)

وإذا نظرنا إلى محدودية البشر في زمن نوح عليه السلام لكون زمنهم قريباً من زمن آدم، وأن كلهم كانوا في منطقة واحدة معينة، فإذا كان الأمر كذلك فإن الذي يظهر أن الغرق لم يعم جميع القارات الخمس بالمياه، علماً بأن بعضها لم يكتشف إلا قبل قرنين أو قريباً من ذلك، ثم إن النصوص وإن دلت على أن الغرق قد عم جميع الناس، لكن ليس فيها ما يقطع أن الغرق عم جميع أهل الأرض، ولكننا لا نجزم برجحان أحد القولين على الآخر، بل نكل علم ذلك إلى الله تعالى. (أبو بكر، 2017، ص 75)

وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور

وعموم الطوفان هو مقتضى ظواهر الكتاب والسنة، ومن قالوا إن الطوفان لم يعم الأرض فإنما أقدموا على إنكاره من جهة قصر المدة التي حددت بها كتب الإسرائيليين، وليس يلزم الاطمئنان لها في ضبط عمر الأرض وأحداثها وذلك ليس من القواطع، ويكون القصر إضافياً، أي لم يبق من قومه الذين أرسل إليهم، وقد يقال: نسلم أن الطوفان لم يعم الأرض، ولكنه عم البشر لأنهم كانوا منحصرين في البلاد التي أصابها الطوفان، ولئن كانت أدلة عموم الطوفان غير قطعية فإن مستندات الذين أنكروه غير ناهضة، فلا تترك ظواهر الأخبار لأجلها. (بن عاشور، 1983، ج12 ص125)

وقال الشيخ عبد الوهاب النجار

إنَّ بعض العلماء يميل إلى عمومه، ويقول بعض علماء الجيولوجيا إننا كلما بحثنا في أعالي الجبال وجدنا بقايا حيوانية من الأحياء التي لا تعيش إلا في الماء وهذا يستدعي وجود طوفان على هذه الجبال، بل عدد من الطوفانات لوجود الاختلاف في عمر هذه البقايا، فلا مانع من أن يكون طوفان نوح أحدها، ويكون قد عمّ، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴾ (الصافات: 77).

ويميل فريق من العلماء إلى أن الطوفان لم يكن عاماً، بل طغيان الماء كان على الجهة التي كان يسكنها نوح وقومه، وأما بقية بقاع الأرض فلم يعمها هذا الطوفان، ويستأنس لذلك بأن الهندوس كانوا يزعمون أن عمران بلادهم يمتد في الماضي إلى تاريخ أبعد من الذي قدرته التوراة لنوح وطوفانه، وأن عمرانهم متصل من أعمق أجيال التاريخ إلى اليوم، وأنتم تعلمون أني غير واثق من التاريخ الذي تقدره التوراة، فربما كان نوح أبعد من ذلك بعداً يشمل ما يدعيه أهل الهند.

وعلى كل حال فالمسألة ليس فيها نص من القرآن بل كل ما فيه من هذه الناحية: أن قوم نوح كفروا وعصوا الرسول فأغرقهم الله بالطوفان ونجى نوحاً ومن معه في الفلك وجعل ذريته الباقين، فالعموم محتمل والخصوص محتمل، والذي أميل إليه أن يكون خاصاً، وأن النوع الإنساني لم يكن منتشراً في جميع الكرة الأرضية، بل كانوا منحصرين في الناحية التي عمها الطوفان، وأنهم قد هلكوا وبقي نوح وذريته.

وقد اهتم بالحديث عن الطوفان وما يتعلق به مجموعة من الباحثين، ومن أهم الأبحاث:

  • قصة الطوفان بين الأسطورة والدين (دراسة وصفية تحليلية مقارنة) للأستاذ هشام محمد مباركي.
  • طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام لقسم الدراسات والبحوث بجمعية التجديد الثقافية الاجتماعية.
  • طوفان نوح عليه السلام في القرآن والأساطير القديمة: لمنصور عبد الحكيم.
  • أنبياء القرآن: عبد المجيد همو، وغيرهم من الباحثين والدارسين.

مراجع:

  • علي محمد الصلابي، نوح عليه السلام والطوفان العظيم (ميلاد الحضارة الإنسانية الثانية)، دار ابن كثير، بيروت، 1441ه -2020م، صص373-369
  • محمد بيومي مهران، دراسات تاريخية في القرآن الكريم،  دار النهضة العربية، بيروت، الطبعة الثانية، 1408ه- 1988م.
  • عبد الوهاب النجار،قصص الأنبياء، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة الرابعة، 1422ه- 2002م.
  • عمر إيمان أبو بكر، قصة نوح عليه السلام، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى، 1428ه- 2017م.
  • محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير، تفسير التحرير والتنوير، دار سحنون، تونس، 1983م.