كلمات عابثة.. الموعظة إلى أين؟

خطب الجمعة بمساجد برلين حثت المسلمين علي التأسي برسولهم في مواجهة الأستفزاز بالحكمة والموعظة السخنة .الجزيرة نت
يكثر في المواعظ الاستشهاد بأحاديث ضعيفة أو موضوعة يُنسب القول فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبا (الجزيرة)

كما أن الأرض تمر عليها الفصول وأحوالها، ويتناوبها قحط وخصب، وتنعشها قطراتُ الغيث تأتيْهَا بعد طول انقطاع، فكذلك قلب الإنسان في تقلبه بين قسوة ولين.

وماء الحياة للقلب كلمات تأتي في حينها، توقظه من غفلته، وتُريه مآل الطريق الذي يسير فيه، فتعيده إلى رشده، وتلهمه تصحيح المسار.

تلك هي الموعظة التي يحتاجها كل واحد منا، وهي الموعظة التي أمر الله جل وعلا نبيه باتخاذها سبيل دعوة، فقال عز من قائل: ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.

والموعظة في أهميتها وأخذها وأثرها مثل الدواء، لا يصلح إلا أن تكون معلومةَ المصدر، سليمةَ المحتوى، مضمونة النفع، مأمونة الضرر، تُؤخذ بقدر محسوب، وتأتي في موعد مناسب. فإن خرجت عن تلك الضوابط والمعايير فقدت فاعليتها، ولم تحقق غايتها، بل ربما أفسدت حيث ينبغي لها الإصلاح. ويبدو أن شيئا من هذا قد أحدثه عصر الإنترنت، أو لنقل: أحدثناه في عصر الإنترنت، فأخرجنا به الموعظة عن حقيقتها وضوابطها إلى حالة من الفوضى والعبث.

فقد صار مألوفًا اليوم أن نجد من يطالعنا على حسابه في فيسبوك أو غيره بمنشورات عدة في اليوم الواحد، تحمل صبغة دينية، وتنطق بلغة تخاطب العواطف، وتستثير المشاعر. وهي تعرض بلا شك جانبا من الحقائق، ولكن المدقق في ثناياها يجدها في كثير من الأحيان تقرر مع تلك الحقائق أحكامًا لا تصح، وتعرض كلامًا لا ينضبط، وتفرض أمورًا لا تستقيم في ميزان الشريعة.

وكثيرًا ما تتخذ تلك المنشورات أسلوب التهويل والمبالغة في تصوير ما ينتظر الإنسان من الثواب أو العقاب في الدعوة إلى التزام سلوك، أو اجتناب آخر. وقد يحصل تهاون في القول على الله بغير علم، وهذا فعل شنيع جعله الله قرين الشرك في عداد ما حرم الله، فقال تعالى (قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الفَوَ ا⁠حِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثمَ وَالبَغْي بِغَیرِ الحَقِّ وَأَن تُشرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ یُنَزِّلْ بِهِ سُلطَانࣰا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) سورة الأعراف: 33.

ويكثر أيضًا في تلك المواعظ الاستشهاد بأحاديث ضعيفة، أو أحاديث موضوعة يُنسب القول فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبًا وافتراءً عليه؛ وهذا عين ما حذر منه في قوله: "إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، فمن كذب عليَّ مُتعمِّدًا، فلْيتبوَّأْ مقعدَه من النَّارِ".

ومع هذا وذاك، يأتي الحرص على الإثارة ولفت الأنظار بقوة، وهذه الغاية تستدعي سَوْق قصص وحكايات تحفل بأمور عجيبةٍ غريبة، وصحيح أن غرائب الأشياء قد يكونُ لها وجود حقيقي في قصص حدثت قديمًا أو حديثًا، لكنها في الميدان الذي نتحدث عنه تأخذ حجمًا أكبر، وتحتلّ مساحة أوسع.

وهنا قد يقول قائل: تلك مخالفات تهون، ويشفع لها أن الغاية إيقاظ القلوب الغافلة، وإعادتها إلى صوابها، فإن تحققت الغاية قُبلت الوسيلة. ولكن مثل هذا القول مردود؛ فليس لدعوة الحق أن تسلك سبيل الباطل، وإن فعلت فقدت هويتها وحقيقتها. ثمّ إن الإنسان الذي يُعدّل سلوكه، ويصحح مساره لتأثره بكلام سمعه، إذا اكتشف لاحقًا أن ذاك الكلام خالطته قصص مخترعة، وأحاديث لا تصح، وتهويلات ومبالغات، فإنه قد تحدث له انتكاسة تجعله لا يكتفي برد القول الخاطئ، وإنما يترك سلوكا صائبا بُني على قول خاطئ.

ويبدو أن هذا الخلل في بناء الموعظة مرتبط بخلل في حقيقة الدافع لتقديمها؛ إذ نلمس وراءها نوعًا من الهوس بتحقيق حضور ملفت على وسائل التواصل الاجتماعي، مقرون بحرص على حصد أقصى ما يمكن من تسجيلات الإعجاب بالمنشور. وعندما يغدو الأمر كذلك تتنحى الأمانة العلمية في التثبت من مصداقية ما يتضمنه المنشور، وتصبح الآلة التي تقود العمل يدًا اعتادت عمليات النسخ واللصق على شاشة الجوال، لا قلبا يتحرق ألما لما يجد من انحرافات، ويشعر بمسؤولية الحرص على إيقافها.

وإذا كان ما قلناه يخص الذي يقوم بتسويق منشور لا ينضبط بالقواعد التي تحكم بسلامته، فإن واضع هذا المنشور -وهو غالبا شخص مجهول- يعطينا الحق في أن نرتاب بهويته، وأن نحمل شكًّا أكبر نحو غاياته ونواياه، أو على الأقل في صدق حرصه وغيرته على الدين. ويزيدنا ريبة فيه تضمينه المنشور باستمرار عبارات تدعونا لنعيد النشر "كذا مرة فيأتينا كذا وكذا". ونتساءل: حتى لو افترضنا أن المنشور ذكر معلومات صحيحة ومفيدة، فهل يقرر فلان من الناس ما سيلحق الناشر من منفعة أو أجر؟ ثمّ أتكون الاستجابة لطلب تسويق المنشور خدمة للدين أم إساءة إلى الدين وإساءة إلى أنفسنا؟

وإذا كان ما قلناه وما بيّناه يعني إدانة منشورات تتزيّا بزيّ المواعظ، فإن الإدانة بالتأكيد لا تشمل ما علمنا مصدره، وتبينّا سلامة محتواه. ومن لم يستطع تمييز السليم من السقيم فالأَولى به ألَّا يبادر إلى نشر المشكوك فيه.

وإضافةً إلى ما قيل، يبقى من المستحسن ألا تأتي المواعظ التي ينشرها أحدنا على حساباته الشخصية بغزارة تفوق ما يمكن أن يتقبله ويُقبل عليه الآخرون، لكي يبقى لها جدواها، ولا تتحول إلى مجرد كلام غير مسموع، وفعل روتيني عديم التأثير. وقد كان هذا مما وعاه والتزمه سلفنا الصالح، فقد جاء في الحديث الصحيح أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يذكّر الناس أي يعظهم في كل خميس. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكَّرتنا كل يوم. قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُملّكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتخولنا بها مخافة السآمة علينا.

ويبقى أن نشير إلى أن الخلل الذي عرضناه ما هو إلّا فرع لواقعٍ عامٍّ نعيشه، إذ نجد أنفسنا اليوم مع الإمكانات الهائلة التي وضعتها بين أيدينا تقنيات الهاتف المحمول بين طريقين، كلاهما مفتوح على أوسعه، في أحدهما يفيض الخير والنفع، وفي الآخر يطغى أذى مغلّفٌ بألوان مغرية؛ فأيهما سنختار؟