أحمد طه وأيمن عزام.. الجزيرة مباشر تروي لنا

علم مصر والسودان
علما مصر (يسار) والسودان (الجزيرة)

تتردد دائما الطرفة الساخرة من فكرة وحدة وادي النيل في هتاف السوداني "مصر والسودان مية حتة"، وعلى كل حال، فإن أشكال وتحورات وحدة وادي النيل الثقافية كانت أكثر نجاحا بكثير من السياسية، وكان أحد تلك التحورات ملخصا في شخصية فؤاد عمر.

من المؤسف أنه في غمرة ازدحام الأشياء حولنا، ينسى السودانيون والمصريون معا المذيع المصري الذكي الوسيم فؤاد عمر، مذيع ومشرف إذاعة ركن السودان منذ نهاية الأربعينيات، التي صارت إذاعة وادي النيل، وأتذكره عند زيارته للسودان في مطلع 2002، يوم كرّمه البشير بوسام رفيع، فاستضافه تلفزيون السودان، فتحدث وردد أبياتا للشاعر الغنائي محمد ود الرضي، وما أظرفه وهو يقول:

والخشم زي ودعة..

فؤاد عمر (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

كانت زيارة احتفالية تكرّس نوعا من الوئام النسبي بين مصر مبارك وسودان البشير، فكانت هناك كرنفاليات كثيرة، ظهرت حتى في الدراما المصرية في لقطات عابرة أقحمت في السيناريوهات والتمثيل، والبرامج التلفزيونية.

كان في وجه فؤاد عمر بقايا وسامة قديمة بوجهه الممتلئ ونظارته والشيب يكسو رأسه، كان مشهورا بعلاقة وثيقة بمعظم شعراء السودان ومطربيه، بخاصة عبد المنعم عبد الحي، وقد سار بطريقته في ميادين شتى ميلاد حنا ويوسف الشريف فكتبا وتحدثا عن السودان بعيدا عن السياسة وإن تحدثا عنها شيئا ما، وفي لقاء عابر على فضائية مصرية قال حنا:

 

أنا أتحدث عن السودان.. أنا أحب السودان.

الروح ذاتها عبر حنجرتين مصريتين أصيلتين قفزتا إلى عمق الشأن السوداني، نقلتا اختلاف الآراء ونطقتا -أسوة ببابا ولد حرمة- الألفاظ والمناطق السودانية، واندمجتا مع الحفاظ على مسافة الحياد المطلوبة.

أصبح الرجلان ضيفين على السودانيين، يتحدثان معهم، ويحاوران ضيوفهم، أصبح طه لدى مؤيدي الحراك (البعاتي) المخيف للضيوف المتلعثمين، فابتلع بعضهم لضعفهم، وحاور الأذكياء منهم بلباقة، وامتص اختلافات المتحدثين، وتمكن من المرور بهدوء برؤية للحدث متكاملة.

أما عزام فخاض معاركه، وهو يحاول إفهام الفريعابي وأبو الدهب (الراكز) بأنه ينقل وجهات النظر، ولا يؤيدها، ويمضي قدما بين حناجر السودانيين الملتهبة، فتستوقفه أغنية لإبراهيم عوض المطرب الذري (فكتمت) مع أيمن، وانطلق يدندن فأبكى المآقي في ليلة كان الجميع على جمر القلق واقفين، وليسو قابضين فقط.

ما يستوقفني في تجربة أحمد طه وأيمن عزام هو سرعة تأقلمهما مع الأسماء والألفاظ السودانية، وجودة استخدامهما للمصطلحات، وهو ما يحتاج إلى مرونة كبيرة خاصة أن اللهجة المصرية قوية منتشرة غلّابة، لا يكاد يتقنها سوى أهلها، ويصعب على أهلها الحديث بغيرها، ولكن الرجلين فعلا.

كأن روح فؤاد عمر تلبّستهما، وهو يردد أبيات محمد ود الرضي، ويقول "الخشم زي ودعة"، وفي المقابل، لكأنهما واقفان تحت الشمس مع الثوار، ينظران من طرف خفي إلى تقارير الرهيد وولد حرمة والمرضي وسيد أحمد والكباشي، ويقفزان من تفاصيلها ومصطلحاتها نحو الجانب الآخر من الحكاية، ويحاوران.

وبقي الرجلان يحاولان بجدّية إبقاء نفسيهما حياديين، ونجحا بصورة كبيرة، لكنهما جعلا مساحة إطلالتيهما مساحة خلاقة، تعبّر عن صوت من لا صوت لهم، فكانت نافذة مهمة في حقبة انقطاع النت، وكانت قدرتهما على استثارة مكنونات نفوس المتحاورين على اختلاف مناصبهم ومستوياتهم شيئا فريدا حقا.

يوما ما سيزوران السودان، وسيلبسان العمّة والجلابية، ويأكلان الفول والطعمية الرمزين الباقيين لحياة شعبين عاشا على شاطئ النيل، وفصلتهما السياسة والسياسات والساسة، رغم أن الأنساب مضت جنوبا، أما النيل فبقي يمضي شمالا.

يوما ما سيحدث ذلك، وأرجو ألا يكون بعيدا..