أردوغان وحرب الاستقلال الجديدة

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (الأناضول)

في الوقت الذي احتفى فيه العرب والمسلمون بتصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعزمه الاستمرار في محاربة الفائدة، وتناقل الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع من خطابه أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، حيث قال إن حكومته عازمة على إزالة آفة الفائدة المرتفعة عن عاتق شعبها. لكن التواقون من متناقلي المقطع ترجموها بإزالة الربا، ليضيفوا مزيدا من البهارات المحببة لجمهور يمكنه إضافة إعجاب لناشر المقطع، لكن النتيجة كانت أمرين: الأول أن سعر الليرة أمام الدولار تراجع حتى وصل الدولار إلى 11 ليرة، لا سيما أن التصريحات أعقبها قرار من البنك المركزي بخفض سعر الفائدة عند مستوى 15%، ووصل عند كتابة هذه السطور إلى 13 ليرة، ليتراجع إلى 12.05، وهي أرقام غير مسبوقة.

الأمر الثاني هو دخول مفتي تركيا السابق جاني أشيك على الخط، ووصف خطاب الرئيس أردوغان بأنه استخدام للدين في غير محله، مؤكدا أن أردوغان يستخدم الدين درعا لصد الانتقادات التي توجه له على سوء الأوضاع المعيشية، وأضاف المفتي المتقاعد أن أردوغان يشير إلى الآيات والأحاديث التي تحرم الربا، متسائلا: "أي الربا يريد أردوغان أن يقول إن الإسلام ضد الفائدة؟ لم يكن هناك بنك أو بنك مركزي في ذلك الوقت، وقال أشيك "ومع ذلك، كان إقراض المال مقابل فائدة عالية أمرًا شائعًا، وهذا هو النظام المستهدف من قبل ناس. هناك العديد من علماء الدين الذين يجادلون بأن العلاقة بين البنك المركزي وبنوك الودائع والفوائد التي يحصل عليها الناس مقابل حساباتهم المودعة في البنوك أو التي يتعين عليهم سدادها بالاقتراض من البنك هي خارج مفهوم الربا في القرآن. أي أن ما يحرمه القرآن هو الربا وليس الفائدة".

ووصف أشيك الرئيس أردوغان بأنه يتحدث كرئيس ثيوقراطي لدولة ثيوقراطية، وليس دولة علمانية، ويريد أن يوجه الجماهير إلى الاستسلام من خلال جرهم إلى "الإرادة الإلهية وشريعتها"، وشدد أشيك على أن الناس يرفضون التبذير والرياء والسرقة. هذا التصريح الذي نشرته صحيفة "جمهوريات" المعارضة كان له أثر كبير، لا سيما أن النقد جاء من مرجعية دينية في ملف حساس يمس حياة الناس اليومية التي اعتادوا عليها منذ عشرات السنين.

حرب العملة بين رؤيتين

في اجتماع مجلس الوزراء الذي ترأسه في 22 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري قال الرئيس أردوغان إنه ماض في ما أسماها حرب الاستقلال الاقتصادية، ويرى أردوغان أن سياسة متشددة لأسعار الفائدة لن تخفض التضخم، وأضاف أردوغان أنه يفضل سعر صرف تنافسيا لأنه من وجهة نظره يضخ مزيدا من الاستثمارات، مما يعني مزيدا من الوظائف. وفي مؤتمر صحفي في الليلة نفسها قال ما نصه

أرفض السياسات التي ستجعل بلدنا ينكمش وستضعفه

وتحكم على شعبنا بأن يعيش في بطالة وجوع وفقر.

وتأتي وجهة نظر الرئيس التركي متوافقة مع بعض النظريات الاقتصادية التي ترى أن رفع سعر الفائدة يؤدي بالنتيجة إلى ارتفاع معدلات التضخم. ولطالما ضرب أردوغان المثل بدول العشرين الكبرى التي تكاد ينعدم لديها سعر الفائدة، مما يعني أن هذه الدول ما كانت لتتخذ هذه الخطوة من خفض سعر الفائدة لو أنها رأت أن اقتصادها سيتضرر جراء القرار، ولعل الأزمات الاقتصادية العالمية منذ مطلع القرن الماضي إلى آخرها في 2008 كان دوما العلاج الذي تهرول إليه الاقتصادات الكبرى هو خفض سعر الفائدة.

على الجانب الآخر، يرى مخالفو سياسة أردوغان الرامية إلى خفض سعر الفائدة، والمنطلقون من الفكر الرأسمالي البحت، أن انخفاض قيمة العملة المحلية يؤثر بشكل مباشر على معدلات التضخم، مما يستوجب رفع سعر الفائدة وتحويل مسار أكبر قدر من المال المحفوظ إلى البنوك، ومن ثم إلى السوق، وهو ما فعله البنك المركزي التركي بالفعل في سبتمبر/أيلول 2018 مع انخفاض سعر الليرة، ثم في مارس/آذار 2012؛ وهو ما آتى أوكله في حينها وامتص صدمة الانهيار التي لحقت بالليرة وقتها.

هذه النوعية العلمية التي يمكن التعامل معها؛ إذ إنها صاحبة فكر ومنهج، أما الفئة المخالفة والمعارضة لمجرد المعارضة وتملك قنوات وصحفا ومواقع إلكترونية ولجانا إلكترونية فإنها تتعامل مع القرار من منطلق شعبوي يهدف إلى التعبئة تحضيرا للانتخابات القادمة في 2023، وهي سياسة التفتيت بالماء، وينظرون إلى المعترك الانتخابي القادم بوصفه هدفا بعيدا يمكن التحضير له من الآن من خلال إسقاط نقطة ماء صغيرة على الكتلة الصلبة المصوّتة للحزب الحاكم، لتحدث النتيجة في يونيو/حزيران 2023؛ لذا تجد أن الخطاب أبعد ما يكون عن العقلانية وأقرب إلى الإثارة واللعب على مشاعر الناس، لا سيما أن أخوف ما يخشاه الأتراك -كأي شعب- هو لقمة العيش.

أزمة حقيقية ولكن..

في الحقيقة أدت بالفعل القرارات التي اتخذها الرئيس أردوغان وصدقها البنك المركزي في اجتماعه بخفض سعر الفائدة إلى أزمات حقيقية لا يمكن تجاهلها، وكان التأثير مباشرا على حياة الناس متمثلا في ارتفاع أسعار كثير من المواد الأساسية، ومنها المحروقات التي ارتفعت بشكل كبير، وصل إلى ليرة و5 قروش للتر الديزل، ومثله تقريبا للتر البنزين؛ ما يعني زيادة منتظرة لباقي السلع والخدمات، فقد أدى انخفاض قيمة الليرة إلى رفع معدل التضخم، فزادت الأعباء المعيشية على المواطنين، حتى على مستوى إيجار المساكن المرتفع في الأساس، لا سيما في المدن الكبرى التي يتركز فيها السكان كإسطنبول وأنقرة وغيرهما، كما أن انخفاض سعر الليرة ورفع معدل التضخم أدى إلى سعي المواطن إلى سحب الدولار كمعامل أمان لمدخراته التي ستتآكل في ظل تآكل القوة الشرائية للعملة المحلية.

وهو ما أثر بشكل كبير على تعاطي المواطن التركي مع القرار وجعل الأغلبية ترى أن ما يحدث انهيار للاقتصاد التركي، وأن البلاد ذاهبة إلى منحنى خطير، لا سيما أن معدلات البطالة ارتفعت في السنتين الأخيرتين رغم المحفزات الاقتصادية والعلاجات الاجتماعية التي اتخذتها الإدارة التركية كحزمة مساعدات طُرحت نقدا أثناء جائحة كورونا التي عانى العالم أجمع منها حتى أعتى الاقتصادات.

ولأن ذاكرة الشعوب سمكية، فإن هذه المنح والمساعدات التي ضخت بالمليارات، والقروض الحسنة أو قليلة الفائدة التي شاركت فيها حتى البنوك الخاصة بتحفيز من الإدارة التركية؛ لم تشفع لدى المواطن، المدفوع بإعلام المعارضة القوي والمؤثر.

مع ذلك، فإن قرار خفض الفائدة -أو ما سماها أردوغان (حرب الاستقلال الاقتصادي)- له بعد آخر على المستويين المتوسط والبعيد، يتمثل في زيادة الصادرات السلعية، لا سيما أن تركيا تستهدف رفع صادراتها السلعية إلى ما يزيد على 200 مليار دولار بنهاية 2021، وفي قطاع التصدير تسعى تركيا لتعويض حالة الركود التي ضربت العالم خلال العامين الماضيين جراء أزمة كورونا. ولعل تراجع الليرة يكون محفزا فطريا لتكون تركيا وجهة السياحة العالمية، وهو ما تحقق بالفعل خلال النصف الأول من العام الجاري، رغم أن العملة لم تشهد هذا الهبوط الكبير، مما يعني أن أرقام مضاعفة عن تلك التي حققها قطاع السياحة في النصف الأول من العام قد يكون مستهدفا بعد تراجع الليرة، إذ حقق قطاع السياحة في النصف الأول من العام جذبا يقارب 14 مليون سائح، مما يعني أن المعدلات المنتظرة ستقارب 30 مليون سائح تقريبا، مضروبا في نسب الإنفاق بمعدلاتها؛ مما يعني مزيدا من الدولارات ستضخ إلى الاحتياطي الدولاري الذي لم يتأثر كثيرا.

لكن على مستوى الرؤية الإستراتيجية، فإن قرار خفض سعر الفائدة يهدف إلى تحويل الأموال الساخنة التي عاش عليها الاقتصاد التركي ما يقارب العقدين ستتحول إلى أموال استثمارية طويلة أو متوسطة الأجل تضخ في مشروعات كثيفة أو متوسطة العمالة، وفي النتيجة ستكون فرص أكبر لتقليل نسب البطالة التي تؤرق أي حكومة.

لعل قرار خفض سعر الفائدة كان مدروسا بشكل دقيق، فلقد كانت زيارة محمد بن زايد هذا الأسبوع مخططا لها لا ريب منذ فترة، فقد زار طحنون بن زايد أنقرة منذ أكثر من شهر، وقابل الرئيس أردوغان وهو بروتوكوليا غير جائز، لكن لقاء أردوغان كان له معنى، ربما لم يقرأه كثيرون، وقرأناه على أنه محاولة لمد الجسور وهو ما قد كان، هذه الجسور مدت باستثمارات مليارية، مما يعني أن قرار تخفيض الفائدة، كان من ضمن معطياته تلك المليارات القادمة من الإمارات؛ مما يعني تخفيف آثار القرار لو تحملت البلاد أشهر قليلة، حتى تظهر آثار تلك الاستثمارات.

لماذا يستحضر أردوغان الدين في حربه الاقتصادية؟

لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل الاقتصاد عن السياسة ولا العكس بطبيعة الحال، ومن ثم فإنه لا يمكن قراءة المشهد السياسي في عقلية متخذ قرار خفض نسبة الفائدة، سواء على المستوى الخارجي المتمثل في الملفات المتشعبة التي باتت تركيا فاعلة فيها بقوة، أو محيطها الإقليمي المتنوع من عربي شرق أوسطي، إلى آسيوي، كعمق تراه تركيا الجديدة لها، إلى متوسطي بجواره غير المستقر والحامل لقضايا متقاطعة، كما أن السياسة الداخلية لا تقل في الأهمية عن كل ما ذكر في علاقات تركيا الدولية، لا سيما أن العلاقة عضوية بين الداخل والخارج، ويؤثر الأخير على الأول بلا شك.

تركيا العدالة والتنمية طموحة لحدود لا يستطيع الغرب تصورها، فهي التي كانت تستجدي المعونة والحماية في مرحلة ما قبل العدالة والتنمية، وهي التي كان يحلم شعبها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ليتنفس روح الحرية والتنعم برؤية المدنية الحديثة، وكانت أوروبا تتمنع؛ فتركيا الجديدة تحمل في قلبها الشوق إلى مكانتها التي سُلبت وقوتها التي ضعفت، وحققت من ذلك الكثير، لكن ذلك لا يمكن قبوله من الغرب، ولأن هناك من يظن أن المعارضة هي إلحاق الهزيمة بالخصم، فإن هناك من تماهى مع أهداف من لا يحب لتركيا الخير، ظانا أنه يستطيع أن يقدم ما قدمه العدالة والتنمية، فيقف أمام المشاريع الإستراتيجية بحجة أنها ضارة بالبيئة، وهناك من يساند ماديا وسياسيا مليشيات انفصالية، لمجرد الفت في عضد الحزب الحاكم، الذي فتح المجال للأكراد وثقافتهم كمكون من نسيج هذه الأمة لا يمكن إقصاؤه، وهناك من يتخذ مواقف معرقلة لمشاريع تنموية تخرج تركيا من ضغط شراء المحروقات، ومن ثم توفير ما يقدر بثلث الناتج القومي في شرائه، لمجرد أن ذلك سيعود بالتنمية ومن ثم المزيد من النجاح لأردوغان وحزبه، ومنهم من يحرض الشعب ليل نهار على غلاء الأسعار وهو يعلم ما يمر به العالم من أزمة اقتصادية.

المعارضة واجهت العدالة والتنمية بكل السبل وفشلت، ورغم ذلك فهي مستمرة في "شيطنة" الحزب ورئيسه، ويمكر إعلامها ليل نهار بالرجل الذي يقود سفينة تركيا لما يريد لها أن ترسو، لذلك استدعوا الدين هذه المرة لضرب الرجل، مستحضرين مفتي تركيا السابق لينطق بما لا يمكن أن ينطقه رجل دين عالم بما يعني الحديث عن الربا؛ فخطاب الرجل جاء سياسيا، وهو الرافض لإقحام الدين في السياسة، ووقع في ما ينهى عنه، واستخدم الدين للإيقاع برجل سياسة، وليست مفاجأة أن نعرف أن المفتي السابق عرّف نفسه في أكثر من مناسبة بأنه أتاتوركي، لكن الحاسم في ما أطلقه من سهام على الرئيس أردوغان أن الرجل عضو في الهيئة العليا لحزب الشعب الجمهوري، أكبر حزب معارض للرئيس أردوغان في تركيا.

هكذا تكشف المعارضة عن سلاح جديد لتوجيهه ضد العدالة والتنمية ورئيسه، والهدف هو الرئيس، لأنهم يظنون أن عمليات الإسقاط التي تمارس ضد الرئيس ستسقط الحزب، وهم يظنون أن أردوغان لا يعمل على ملء الفراغات، لأمر في نفسه كما يدعون، والحقيقة أن ما يقوم به الرئيس وحزبه إنما هو محاولة لتشكيل تيار عام، يدفع تركيا إلى حيث يريد كل مخلص لهذا البلد أن يراها فيه.

إن سفينة تركيا الكبيرة صاحبة التاريخ تريد لها ربانا جسورا وقائدا محنكا يخوض بها عباب البحر الهائج من كل مكان، ويمر بها من الأنواء التي تعصف بها، لكن الجنود الحقيقيين هم من يصنعون نجاح القائد، فلا تكفي رجاحة رأيه وشجاعته إن لم يجد جنودا يؤمنون به ويعرفون هدفهم، وهي الحرب الحقيقية والعبء الأكبر على عاتق القائد؛ أن يخوض غمار معركة الوعي قبل حرب الاستقلال الاقتصادية.