الانتخابات الليبية.. بين رغبة المشير وحلم العقيد الصغير

كومبو خليفة حفتر (يمين) وسيف الإسلام القذافي (وكالات)

تتجه الأنظار في الأيام القليلة القادمة إلى الانتخابات الرئاسية الليبية المزمع عقدها يوم 25 ديسمبر/كانون الأول المقبل وفقا للاتفاقات الأخيرة التي وقعت في مؤتمر باريس، حيث خرج علينا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معلنا أن ليبيا ستنتخب رئيسا جديدا لأول مرة في التاريخ وستدخل عهدا ديمقراطيا، ويكأن فرنسا لم تكن مسؤولة عن المجازر التي ارتكبتها قوات خليفة حفتر، حتى تظهر لنا في ثوب الراعي الرسمي للحوار بين الليبيين والملاك المنقذ من عهود الاستبداد والجبروت والمبشر بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة. هذه السرعة المحمومة نحو إجراء الانتخابات في ليبيا تطرح عدة تساؤلات وتثير عدة إشكاليات، خاصة بعد الحرص الكبير من بعض القوى الدولية على إجرائها في ظل هذه الظروف الغامضة التي تعيشها ليبيا.

كانت ليبيا في العشر سنوات الأخيرة -بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي الدموي من طرف ثوار 17 فبراير/شباط 2011- حلبة صراع لبعض القوى الدولية والإقليمية التي تكن حقدا كبيرا لثورات الربيع العربي، والتي تعلم جيدا الموقع الإستراتيجي لليبيا جنوب المتوسط وما تتيحه لهم فرص السيطرة على النفط الليبي، الذي يمثل العمود الفقري لاقتصاد الدولة الليبية. ولم يتردد الروس في الوجود بليبيا عبر مرتزقة فاغنر الذين حضروا لدعم خليفة حفتر، مستذكرين أمجاد الدولة الشيوعية وعلاقتها الوطيدة بنظام القذافي أيام الاتحاد السوفياتي، ومتمسكين بفكرة ستالين الأولى أيام الحرب العالمية الثانية، وهي السيطرة على إقليم طرابلس حتى يكون للشيوعيين مكانا يمثل شوكة في خاصرة الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. كما لم تقبل فرنسا بأن تخسر موقعا جديدا في أفريقيا بعد خسارتها لعدة مواقع مثلت كابوسا حقيقيا للقادة الفرنسيين الذين يعتبرون أفريقيا مجالا حيويا للاستعمار الاقتصادي والثقافي بعد عقود من الاحتلال العسكري ونهب مقدرات الشعوب.

تاريخيا، كان الاتحاد السوفياتي العدو الأول للغرب الليبرالي بقيادة المتحدة الأميركية والمنافس الأول لافتكاك المواقع لأميركا وحلفائها في الشرق الأوسط. إلا أن لعبة الشطرنج تغيرت وطبيعة التحالفات تبدلت استنادا لمعطيات جديدة، حيث اجتمع الروس والفرنسيون -بتمويل إماراتي ودعم مصري- لإسناد خليفة حفتر في هجومه على طرابلس، خاصة بعد دخول الأتراك الأراضي الليبية وتحالفهم مع حكومة فايز السراج وثوار 17 فبراير. كل هذه التشعبات والتفاصيل -التي كان منطق الحرب والتقدم العسكري في الميدان وافتكاك المواقع هو الفيصل فيها- انتهت إلى اتفاق سياسي دولي بين جميع الأطراف بإيقاف إطلاق النار والذهاب نحو اتفاق سياسي وفترة انتقالية، كان عنوانها محمد المنفي رئيسا للمجلس الرئاسي وعبد الحميد الدبيبة رئيسا للحكومة.

هل استوفت الفترة الانتقالية شروطها؟

أبرز ما جاء في اتفاق جنيف الذي أسدل الستار فيه على الحكومة الجديدة والمجلس الرئاسي هو توحيد المؤسسات وتحضير البلاد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية سنة 2021 . لكن الحقيقة تقول إن قوات فاغنر التي تأخذ التعليمات المباشرة من وزارة الدفاع الروسية والداعمة لخليفة حفتر ما زالت موجودة على الأراضي الليبية. إضافة إلى ذلك، كان اعتراف حفتر وحلفائه بالحكومة الانتقالية أمرا شكليا لم يترجم على أرض الواقع، خاصة بعد تمسكه بقيادة جزء من الجيش الليبي وعدم اعترافه بعلوية القانون ومؤسسات الدولة. يبدو كذلك أن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح -المحسوب على الجهة الشرقية- لم يقبل خسارته في مؤتمر جنيف وحاول أكثر من مرة تعطيل عمل حكومة عبد الحميد الدبيبة، ولعل أبرز ما قام به هو محاولاته -في أكثر من مرة- سحب الثقة من الحكومة التي لم تعترف بقرارات مجس النواب.

كل هذه المؤشرات تمنعنا من الاعتقاد بأن الفترة الانتقالية استوفت شروطها المتمثلة في الحفاظ على السلم الاجتماعي والانسحاب التدريجي للقوات الأجنبية وتأهيل البلاد لعهد جديد من الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة. في هذا الإطار يجمع كل المراقبون بأن كل عناصر الانقسام الداخلي ما زالت متوفرة، مما يسمح لسيناريو العودة إلى الوراء بأن يكون احتمالا بارزا في الفترة القادمة.

خطورة التسريع بالانتخابات

لا يمكن الحديث عن انتخابات ليبية وديمقراطية وشفافية وشعارات رنانة مفرغة من محتواها، خاصة بعد ما شهدناه من انقسام حاد داخل المجتمع الليبي وبالتحديد داخل الطبقة السياسية التي تشهد تشتتا واختلافا في المواقف. وليس أدل على ذلك من رفض المجلس الأعلى للدولة والحكومة للقوانين الانتخابية التي صاغها مجلس النواب، والتي تعتبر في صالح حفتر وحلفائه، إضافة إلى التشكيك المتواصل في شفافية العملية الانتخابية وإمكانية خضوعها للتزوير مما يفتح المجال لإمكانية عدم تقبل النتائج والدخول في صراع جديد سيكون استعمال السلاح أحد عناوينه مجددا.

من جهة أخرى، يعتبر ترشح سيف الإسلام القذافي نجل معمر القذافي أمرا مستفزا للثوار الليبيين الذين يرفضون رفصا قاطعا قبول المفوضية العليا للانتخابات ترشح الوريث الأول لنظام دكتاتوري ودموي استمر في حكم ليبيا لمدة نحو 5 عقود. لابد أن نتذكر بأن سيف الإسلام القذافي مطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية، وترشحه يمكن أن يكون تشويها لصورة ليبيا الجديدة والقاطعة مع الماضي بكل تفاصيله.

كل هذه المعطيات تأخذنا إلى قراءة سليمة ومنطقية جوهرها أن الذهاب إلى انتخابات رئاسية في 25 ديسمبر/كانون الأول القادم هو مخاطرة كبيرة جدا، قد تجعل الليبيين يدفعون الثمن مجددا ويعودون إلى كابوس الحرب والاقتتال، إذ إن التسريع بالانتخابات -في ظل عدم اتفاق الجميع على قواعد اللعبة والتزامهم بقبول النتائج- سيفتح المجال إلى مرحلة جديدة من الصراع الذي سيعزز التدخل الأجنبي في ليبيا ويسهم في تدنى السيادة الوطنية، خاصة بعد وجود قوات أجنبية على الأراضي الليبية لا ترغب في الخروج، نظرا لما تتميز به ليبيا من موقع جغرافي في منطقة شمال أفريقيا.

تمديد الفترة الانتقالية ضرورة قصوى

استنادا إلى كل ما عرضناه من مؤشرات تدل على عدم جاهزية ليبيا لإجراء انتخابات رئاسية في الشهر القادم، ونظرا للتشتت والاستقطاب داخل الطبقة السياسية، تعدو مسألة تمديد الفترة الانتقالية ضرورة ملحة لتهدئة الأجواء وتوفير الضمانات اللازمة لإقامة انتخابات حرة ونزيهة وشفافة تحظى باعتراف دولي وقبول شعبي وتفتح الآفاق لليبيا جديدة بعيدة عن التوترات والتجاذبات. في هذا الإطار، يجب على جميع الفرقاء السياسيين الذهاب إلى حوار وطني جامع يقع فيه الاتفاق على جميع قواعد اللعبة وإسناد صياغة القانون الانتخابي إلى لجنة مستقلة تمثل جميع الأطراف، كما يتم الاتفاق على وضع سقف لمدة الفترة الانتقالية زمنيا والشروع الفعلي في توحيد المؤسسات، خاصة المؤسسة العسكرية، إضافة إلى عرض مشروع للمصالحة الوطنية يقطع مع مناكفات الماضي وأخطائه.

ستمكن هذه الإجراءات -رغم صعوبتها- من توفير الضمانات اللازمة لإجراء الانتخابات في ظروف إيجابية كما ستقطع طريق كل الذين سيعارضون نتائجها، وستظهر للمجتمع الدولي قدرة الشعب الليبي على تجاوز عشرية مؤلمة من الاقتتال والحرب الأهلية والتدخل الأجنبي السافر.

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنجح الديمقراطية في بلداننا العربية إلا إذا وقع الإعداد الجيد لها، فالعبرة ليست في إجراء الانتخابات بل في استمرار العملية الديمقراطية وقطع الطريق على كل احتمالات العودة إلى الوراء. في هذا الإطار، يأخذ السلم الاجتماعي أولوية قصوى على الديمقراطية التي تأتي نتيجة لتعاقدات واتفاقات وثقافة سياسية لدى الشعب ونخبه قوامها حق الاختلاف وضرورة قبول الآخر والعيش المشترك، في ظل قواعد لعبة ملزمة للجميع. لذلك يمكن أن تنجح ليبيا في دخول نادي الديمقراطيات إذا ما تحلى الفرقاء السياسيون بحد أدنى من المسؤولية الوطنية، واستوعبوا أن التوافقات والتسويات هي اقرب الطرق لنماء الشعوب وازدهارها.