هبّة فلسطين.. شدّ الرّحال

في طريقك إلى القدس -فِكرا وسعيا- لن تقدر على تجنب الذكريات، القرى المهجرة، زهور "لفتا" البنفسجية (الجزيرة)

شابّان جليليّان في العقد الثالث من عمريهما، من أهل القرى الوادعة التي لا تعرف عن الحرب سوى القصص المتواترة عنها، ولا عن القتال إلا معناه المصغّر، تنتهي خبرتهما فيه عند بعض اللكمات والصفعات المتبادلة، صولات سرعان ما تنتهي بصلحة سريعة حالما يطرق الخبر أسماع الأهالي والأقارب؛ عقدا العزم على شدّ الرّحال إلى الأرض التي لا دعة فيها ولا سلام، مدينة الحرب الباردة التي أعجبت عبر تاريخها في تأجيج نار الحروب، هناك حيث تنمو الأشجار وتتغذى على أشلاء المحاربين وترتفع الحرارة فيها من البرودة إلى أقصى درجات الغليان في محض لحظات، إما بفعل جنديّ أحمق أو إقدام مجاهد ما عاد للصّبر في حشاشته مكان يعالج به غضبه؛ إلى القدس.

لم نكن قد أعددنا شيئا من السلاح عندما عقدنا النيّة على التوجه إلى هناك، ولم يكن هناك هدف واضح لما سنفعله حال وصولنا، فقد كان هدف الترحال إسقاط واجب إغاثة الملهوف، رائين واجب إحيائه مسؤولية ليس منها مهرب. بذهن تغزوه الخواطر وتحوم حوله الوساوس، لم يكن الخوف هو الشعور المسيطر كما قد يعتقد البعض، فعلى خطورة هذه الرحلة، إلا أن الحيرة في كيفية مواجهة ما سنجده هناك كانت المسيطرة فعلا، وهنا بالضبط، عندما يفشل العقل في طرح الحلول، يبدأ عمل الإيمان.

لطالما حدثنا كبارنا عن المواقف في حياة الإنسان، مفصحين لنا عن المعيار الذي يحدد عظمة الإنسان من صغره، فكل إنسان ملاق في حياته مواقف معدودة، يكون كل ما قبلها محض تحضير له لمثلها، فالشجاع لا يعد شجاعا حتى يمتحن بما ترتعد منه فرائصه، في تلك المقطوعة الزمنية حين يتموضع قلبه في حلقه، فإذا أقدم فهو الشجاع وإن أدبر فلن تنفعه كل التبريرات بعد ذلك، فقد فشل في اختباره.

وأشجع الشجعان من عرف الثمن الذي سيدفعه لقاء شجاعته، فما تلكأ ولا بدّل، وانظر عليّا رضي الله عنه يوم أحد، وقد وقع المسلمون في كمين المشركين فصاروا بين فكّي وحش حاقد، ثمّ يسمع بأذنه إشاعة مقتل النبيّ عليه الصلاة والسلام، ابن عمه وحبيبه ووصيّة والده أبو طالب، ويرى الشجعان من فريقه يفرون ويتشرذمون في ميدان الحرب كالعقد إذ ينقطع حبله، في مثل هذا الموقف الذي يذهل فيه الراشد عن رشده، ويحتار فيه الحليم عن الحيلة، ما كان من أبي الحسنين إلا أن يكرّ كالسّبع على قطعان الضّباع، لا يفضل حياة على موت، فما كان عليّ ليكون عليّا في مثل هذا المقام الذي يفرّ منه الأبطال، إلا لأنه نشأ وترعرع ليثبت في مثله، وما كانت وصايا كبارنا إلا تنديدا وتكرارا لترسيخ جذور هذه الفضيلة العليا فينا، فكما أن أهل الأرياف في بلاد أوروبا الباردة هم من يحفظون عنصر الإنسانية والفضيلة لأهل تلك الأقطار، فإن أهل القرى في الشرق هم مرادفهم في هذه الجملة الاجتماعية، وكلا الصنفين يمثلان آخر معاقل الإنسانية أمام الاحتلال الميكانيكي الذي سببته المدنية الحديثة وما بين طياتها من الهوس المادي، وللأخيرة باع طويل في خذلان أكثر الناس للمساكين والمستضعفين.

جلست في اليوم الذي سبق السفر أعيد مشاهدة نداءات أهالي الحي المصورة، حي الشيخ جراح، وعلى رأسهم منى الكرد، ابنة إحدى العائلات المهددة بالطرد من بيتها ليتسنى لمستوطن أوروبي أن يسلبهم إياه، فقط لأنه يرتدي الكيباه (قبعة اليهود). وما كان ذاك لأنني نسيت محتواها بقدر ما كان لتغذية جمرة النخوة، ولم يكن في حوزتي سلاح سوى قصص الأسلاف أمتشقه. امرأة مظلومة تناشد قومها تطلب المساعدة على بغي اللص الغريب، لم يتأخر المعتصم العباسيّ ونجدته الشهيرة عن المثول في بالي، والذي قال فيه الشاعر:

لَبَّيْتَ صَوْتاً زِبَطْرِيّاً هَرَقْتَ لَهُ

كأسَ الكرى ورُضابَ الخُرَّدِ العُرُبِ

ولم يكن لأخيكم جيوش تلبّي نداء النجدة كما كان لأمير بغداد، ولا شاعر يمجد مغامرته الوشيكة، فتمتم مواسيا نفسه: "حسبي أن أشارك المعتصم في شطر مجده". ناظرا إلى سيارتي البيضاء خارج البيت مكملا: "على ظهر جواد أبلق"، وفي داخلي صوت يردد: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى" مع ابتسامة النبيّ تلوح لي بالأفق، ما كان لأي شخص أن يثني عزمي عن تلك الرحلة.

أشرقت شمس اليوم المنشود على مهل، وكأن الصمت ألجم كل حي، فلا الطيور تزقزق ولا الديوك تصيح، وليس يطرق الأذن سوى ضجيج أبواق السيارات على الشارع الرئيس القريب، وكأن الخلق جميعا يعيش زخم تلك اللحظات معي إلا الإنسان، وما أغفله من مخلوق!

التقيت مع صديقي في الساعة التي اتفقنا عليها للانطلاق، في صبيحة السادس والعشرين من رمضان. نهار واحد يفرقنا عن ليلة القدر المباركة، تبادلنا التحايا وانصرفنا إلى مشوارنا، ولم يلبث الصمت طويلا قبل أن يسود المكان مجددا، إلا من تبادل بعض المعلومات التاريخية عن أرض فلسطين، كيف تطورت بنا الأمور من كنعان إلى علّان، وكيف صرنا من الفتح إلى الاحتلال، وكيف تقطعت أواصر الود بين الناس، الكثير من الأسئلة تطرح عندما تتحدث عن فلسطين، وما أشح الأجوبة.

خضنا بعد ذلك في بعض الجغرافيا الفلسطينية نفاضل بين الجليل والنقب، وبين المروج المكسية بالأخضر على اسم ابن عامر وجبال الجليل الأعلى الصخرية شبه الخالية من السهول. في فلسطين تستطيع أن تعيش كل المناخات التي في العالم من قيظ بلاد الصحاري مرورا بربيع الشام وحتى ثلوج الأراضي الأوروبية، كأن هذه القطعة المحتلة من الأرض قد أُعدت لتكون عينة عن العالم كله، كما أن صراع العالم كله محصور فيها.

في طريقك إلى القدس -فِكرا وسعيا- لن تقدر على تجنب الذكريات، القرى المهجرة، زهور "لفتا" البنفسجية، وتلك الأخرى التي تنتظر التهجير، هناك أيضا قد خيّم الصمت، ربما عز على أهلها ألا يكون لهم سلاح يدفعون به عن أرضهم وعرضهم غير الصراخ، فأهدوا أصواتهم للغد الأحمر.

أكملنا في طريقنا نسترجع ذكريات البلاد، نتحرر بها من أصفاد النفس التي تدعونا لنتعقل ونعود أدراجنا، وإبان حديثنا عن اللاجئين، استدعتني الذكريات إلى كلمات صديقة تقطن المنفى مرغمة، بعد أن خرج أبوها منها فدائيا عام النكسة، وما استطاع العودة بعد ذلك.

كان من جملة ما أخبرتني به "نور" أنها من قرية تدعى "بيت إكسا" في محافظة القدس، وهي محاطة بالأسوار من أطرافها ودخول القرية مسموح فقط لأهلها، وما زال والدها يملك أرضا باسمه في القرية إلا أنه ممنوع من العودة إليها. أي قلب يتحمل هذا الواقع؟ وأي ملك هذا الذي لا تقدر على الوصول إليه، ناهيك من أن تتصرف به؟ اتفقت مع صديقي أن نزور القرية قبل الذهاب إلى القدس، عرفانا لنور التي تمثل ملايين اللاجئين غير القادرين على العودة، وقد فعلنا.

انطلقنا بعد استراحة قصيرة على مشارف بيت إكسا بعد التقاط بعض الصور للقرية المحاطة بأسوار منيعة، لا لحمايتها ولكن لخنقها، وبالمستوطنات اليهودية التي تحد من قدرة القرية على التوسع فوق المسطحات الواسعة من حولها. وصلنا حي الشيخ جراح وركنا السيارة في شارع مسمى على اسم خالد بن الوليد، سيد الحرب العربي والداهية العسكري المعروف شرقا وغربا، ولى ابن الوليد إلى أجله وبقي اسمه مثبتا على ناصية شارع محتل في فلسطين، يجاهد أهله من دون سلاح ولا درع ليبقوا على أرضهم، أي مفارقة؟

أولو قضى الله -فَرَضًا- أن يبطل سنن الحياة وبعث ابن الوليد اليوم من مرقده، أتراه كان يبتسم لمشهد اسمه هناك أم يغضب غضبة تعيده -من شدّتها- إلى قبره؟ إلا أننا أهل الشرق قوم نستمد قوتنا من التاريخ مذ صار لنا في التاريخ شأن، لقد فعلها ابن الوليد من قبل، إذن فهي ممكنة، وقد يأتي من أبنائنا من يفعلها مجددا، فلنبقِ اسم خالد إذا خالدا في أرضنا!

توجهنا بعدئذ سيرا على الأقدام نحو حي العائلات المهددة بالتهجير، والتوقعات تسير معنا في كل خطوة، عن ماذا سنحدثهم؟ وبماذا سنطمئنهم؟ وهل لنا أصلا قدرة على رد هذا الضيم عنهم؟ وساوس وأسئلة تحاول جاهدة تغذية شوكة العجز في دواخلنا، وهنا يحل -كما أسلفت- دور الإيمان، إذ قال حكماؤنا من قبل: "لا يُترك المقدور عليه طلبًا للأعلى منه"، وهذا ما نقدر عليه اليوم، أن نواسي أهل قدسنا بأنفسنا ونشاركهم بعض ما حل بهم من الظلم والبغي. وعلى مدخل الحي وقفت لنا فرقة جنود يحملون الرشاشات الأوتوماتيكية، قائلين: "ممنوع الدخول".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة