السعادة والألم.. وجهان لعملة واحدة

أنواع من السعادة: أي منها اختبرت؟
الحياة بطبيعتها متقلبة ويصاحبها حزن وسعادة معًا وكلاهما خير ونافع للإنسان (غيتي)
  • ما السعادة؟
  • لعل جميعنا فكر بهذا الأمر وبحث عن السعادة.
  • ولكن هل وجدها…؟
  • كلا..
  • لا أعتقد ذلك..

إن الإنسان قد يُفني حياته في البحث عن السعادة ولا يجدها. لا أعلم لماذا ننتظر حدوث الأشياء حتى نكون سعداء؟ بمجرد أن أحصل على الشهادة الجامعية سوف أكون سعيدًا! فقط عندما أتزوج سوف أصبح رجلًا سعيدًا! السفر وحده القادر على إسعادي! لو حصلت على تلك السيارة الباذخة لن يكون هناك شخص أسعد مني!

والسعادة تكون في الطريق المؤدي إلى الأهداف، وهي رحلة وليست محطة وصول، وعندما نبلغ الهدف نذهب ونبحث عن هدف آخر وإشباع لرغبةٍ أخرى، فهي أشبه بذلك الرجل الذي يتسلق الجبال وعندما يبلغ القمة يبقى دقائق معدودة فيها ثم يبدأ النزول بعد ذلك والبحث عن تجربة أخرى وجبل آخر لتسلقه وصعوده..

إنه يجد السعادة في طريقه نحو القمة..

لأن السعادة ببساطة لا تبقى طويلًا في المكان نفسه.

ونحن في الغالب نحكم بظاهر الأشياء، فعندما نجد شخصًا يمتلك السيارات والقصور والمال بالظاهر نحكم ونعتقد أنه سعيد ونتمنى حياته. والصحة والمال والجمال هي فعلًا وسائل للسعادة إذا أحسن الإنسان استخدامها وليست السعادة بحد ذاتها.

والغريب أننا نجد من يمتلكون تلك الوسائل هم أكثر الناس شكوى وتذمّرًا من سوء أحوالهم ومن نقص أموالهم، ويعتقدون أنهم يمتلكون القليل جدًّا مقارنة بمن يمتلكون أكثر منهم، وتجدهم يعيشون في تعاسة رغم امتلاكهم وسائل السعادة ويفتقدون أشياء أكثر أهمية من المال، لأن الحياة لا تعطيك شيئًا من دون مقابل ومن دون تكلفة تدفعها، فقد تجده يفتقد متعة البساطة وما أعظمها من متعة! ويحاول التكلف في كلّ شيء في الحياة والظهور بمظهر القوة بشكل دائم ولو كان ضعيفًا جدًّا من الداخل.

ولا يوجد شيء في الحياة يمكن أن يتلذذ به الإنسان تلذذًا مستمرًا، فسوف يصل إلى التشبع مهما كان جمال ذلك الشيء، وسوف يطلب التغيير ولن يصبر على طعامٍ واحدٍ كما لم يصبر بنو إسرائيل على الطعام نفسه لأنها فطرة الإنسان: البحث عن المزيد. ولا قناعة ولا إشباع لتلك الرغبات إلا بمحاولة التفكير بأهمية تلك الأشياء التي نقتل أنفسنا من أجل الحصول عليها، فقد نجدها أشياء تافهة جدًّا وفيها لذة وسعادة مؤقتة، مع ذلك سوف نستمر في البحث عنها وهذه هي طبيعة البشر: حب التملك وعدم القناعة.

والحياة بطبيعتها متقلبة ويصاحبها حزن وسعادة معًا، وكلاهما خير ونافع للإنسان، فالألم والرفض والحرمان والمعاناة والحرب عوامل تولّد الإبداع.

والمال والصحة والرخاء وسائل للسعادة وليست السعادة بحدّ ذاتها، فقد يحصل عليها البعض ويسيء استخدامها ويدخل في الملذات ويتّبع الشهوات والمفاخرات ظنًّا منه أن هذه هي السعادة، ويتكلف في حياته ويفتقد المتعة والبساطة وتزداد كآبته ومشاكله رغم امتلاكه وسائل السعادة.

يقول نيتشه "لا أحد يستطيع الوصول إلى درجة رائعة من الإبداع والإنتاج من دون ألم".

الألم يجعل منك إنسانًا فاهمًا ومتفهمًا، فلا يمكن أن يصبح المرء عاشقًا ناجحًا ولا أن يصل إلى تحقيق ذاته من المحاولة الأولى بل الأمر يستلزم خطوات متتالية.

المسافة بين النجاح والإخفاق وبين من نحن اليوم ومن نريد أن نكون في المستقبل يملؤها الألم والقلق والحسد والإهانة، وخاصة ما يسميه نيتشة "بالانكباب" أي الاشتغال على الشيء نفسه.

نحن نعاني لأننا لا نستطيع تحقيق ذواتنا بشكل عفوي وسريع.

نيتشه حارب فكرة أن النجاح وتحقيق الذات يأتيان بسرعة وسلاسة، فلا نجاح يكون بمثل هذه الطريقة التي لو كانت كذلك لنجح العامة في ما يطلبون، فقد رأى هذه الفكرة محبطة ومدمرة لأنها تقود الإنسان إلى الانسحاب المبكر من التحديات.

نحن يجب أن نتحدى العراقيل التي تواجهنا لأن إنسان نيتشه شجاع وجريء..

في كتابه "العلم المرح" يقول نيتشه إن المتعة والألم مرتبطان بقوة معًا، ومن يريد أكبر كمية ممكنة من المتعة عليه أن يقبل بكمية تساويها من الألم والوجع.

ويعتقد أن الخيار متاح لكل إنسان، إما يختار أقل قدر ممكن من المعاناة ومن ثم يستغني عن قدر من النضج وتحقيق الذات أو يختار احتضان معاناته على أكبر قدر ومن ثم يحصل ليس فقط على كمية أكبر من النضح وتحقيق الذات بل على ملذات خفية نادرًا ما يشعر بها من استنكر معاناته.

يقول نيتشه:

 إذا قررت تقليل درجة الألم البشري

فأنت أيضًا تقلل قدرة البشر على الشعور بالمتعة والسعادة.

اعتقد فرويد أيضًا أنه لا يمكن الهرب من المعاناة، ليس هذا فقط بل عدّها جزءا يملك حيزا في بناء النفس البشرية لا يمكن إلغاؤه.

وفي سنة 1930 في أطروحة "ما فوق مبدأ اللذة" يتحدث فرويد عن "غريزة الحياة"، بما فيها من بحث عن المتعة والسعادة و"غريزة الموت" بما فيها من نزعة لتدمير الذات والمعاناة.

فرويد رأى النفس البشرية كأنها صراع دائم بين الغريزتين الموجودتين دائما وأبدا معا.

ويبدو أن نيتشه فهم طبيعة المعاناة وكونها جزءا لا يتجزأ من النفس البشرية، ومن ثم حذّر من الاستسلام أمامها أو أمام "غريزة الموت".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة