نافذة على "مشروع العمر"

الخبرة والاستقلالية والثقة بالنفس.. لهذه الأسباب العمل أثناء الدراسة فكرة رائعة
مشروع العمر قد يكون عملًا علميًّا وقد يكون عملًا تربويًّا وقد يكون عملًا اجتماعيًّا وقد يكون ما يكون (بيكسابي)

على أولى صفحات الكتاب، وقبل المقدمة، تشرق كلمات لمؤلف "مشروع العمر"، يقول فيها "إن الميلاد الحقيقي للإنسان ليس تلك اللحظة التي يخرج فيها صارخًا إلى الدنيا من رحم أمه، وإنما يولد الإنسان في اللحظة التي يعثر فيها على مشروعه"، وكأن الكاتب من البداية يسعى ليرينا النهاية التي يريد أخذنا إليها. ولكن رؤية نقطة الوصول لا تعني أننا وصلنا، فهناك خطوات لا بد أن نمشيها مع تقليب صفحات الكتاب.

يستدعي الكاتب مشعل عبد العزيز الفلاحي حقيقة ينبغي أن نستحضرها جميعًا، وهي أننا لم نأت إلى هذه الدنيا لنكون مجرد أشياء عابرة، وإنما جعلنا الله خلفاء الأرض، لنقوم بعمارتها. ومقتضى الخلافة في الأرض أن يستنفر الإنسان فيها كل ما يملك حتى يكون خليفةً صالحًا، ووريثًا كبيرًا، وعامرًا عظيمًا، ويتحقق ذلك عندما يكون له في الحياة مشروع يعيش فيه لحظات حياته، ويجد فيه وهج الروح ورحلة المعاني الكبيرة في النفس.

وليس كل عمل مبارك نافع يسمى مشروعًا، إن العمل هذا لا يكتسب صفة المشروع حتى يكون الإنسان هو الذي اختاره وارتضاه لنفسه من بين كل الأعمال المطروحة، وجعله رسالته ورؤيته التي اختطّها لنفسه، ليخدم به دينه ومجتمعه، ويكتب به رحلة أمته على الأرض؛ فاستهلك فيه طاقاته ووقته، ووجد له لذة ورغبة عارمة، منتظرًا أن يراه في قادم الأيام كيانًا يقف على قدميه ليظهر أثره الإيجابي واضحًا في الأرض، ويكون فيه ارتقاؤه وارتقاء أمته.

ومشروع العمر قد يكون عملًا علميًّا، وقد يكون عملًا تربويًّا، وقد يكون عملًا اجتماعيًّا وقد يكون ما يكون. المهم أنه عمل ورسالة وإنجاز كبير في مستقبل الأيام.

وإذا ذُكر أصحاب المشاريع اتجهت الأنظار أولًا إلى الرسل أصحاب مشاريع الدعوة إلى الله، وقد ظلوا مستمتعين في تحقيقها، جادّين في بلوغها إلى غاياتها؛ وكل صاحب مشروع في الأرض جزمًا يستقي منهم، ويشرب من معينهم.

وبعدهم نجد في تاريخ أمتنا عمالقة كثر، منهم البخاري الذي حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاش لمشروعه العمر منذ بلوغه العاشرة حتى الوفاة، ومنهم ابن خلدون الذي قدم للأمة مشروعًا فكريًّا كبيرًا، تمثل في كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر"، ومنهم كذلك الخوارزمي صاحب علم الجبر، وما زال ارتباط هذا العلم باسم ذاك العالم قائمًا إلى وقتنا الحالي؛ ونجد بين المعاصرين عبد الرحمن السميط صاحب المشروع الدعوي الذي ترك لأجله وطنه الكويت وهو في مقتبل عمره، ورحل في بلادٍ أفريقيةٍ، وقيل في وصفه "الرجل الذي غيّر القارة"، وقد أسلم على يده عشرات الملايين. ولا ينبغي لأي إنسان أن يعدّ نفسه غير معنيّ بهؤلاء، لأنه يستطيعُ إن أراد حقًّا أن يجد لنفسه مكانًا يتناسب مع طاقاته وإمكاناته، وقد حفظ لنا التاريخ مشروع أَمَة سوداء كان مشروعها العناية بتنظيف المسجد.

على هذا تغدو قيمة الإنسان منوطة بمشروع يتبنّاه في حياته، يعيش به أنفس لحظاته، ويعود بالخير على حاضر أمته ومستقبلها. والإنسان بمشروعه هذا يلقى الله تعالى يوم القيامة ليجد عنده حُسن الثواب وعظيم الأجر.

والمشروع يبدأ حلمًا طموحًا، ثم يتجسد واقعًا يؤكد بلوغ صاحبه رتبة الناجحين، حتى يأخذ به إلى القمة، ويدوّن اسمه مشرقًا في صفحات التاريخ.

ولأنّ الإنسان يبقى إنسانًا، فقد يكتشف بعد أن يمضي في مشروعه شوطًا أنه لم يكن مصيبًا تمامًا في اختياره، وأن هذا المشروع لا يتلاءم مع ميوله وقدراته، فهذا لن يكون معناه النهاية والفشل، وإنما ضرورة التحول وتغيير الاتجاه إلى مشروع آخر يختاره بوعي وعلى أسس صحيحة سليمة مناسبة له، لا لمجرد تقليد فلان من الناس.

وإذا كانت للإنسان قدرات وطاقات وإمكانات تحتمل أكثر من مشروع، فله أن يعدد المشاريع على ألا يؤثّر أحدها سلبًا في الآخر. ومن أعظم الأمثلة على هذه الحالة في حياة الكبار عبد الله بن المبارك رحمه الله؛ كان مشروعًا في العلم، ومشروعًا في الجهاد، ومشروعًا في الصدقة، ومشروعًا في العبادة.

والمشروع خطوات مدروسة بعناية، تراعي واقعك الذي تعيشه، وتتجه إلى الغاية التي تريد الوصول إليها. ويلازم تلك الخطوات من بدايتها حتى النهاية إصرار على النجاح، وأخذٌ بشروطه ومتطلباته.

فالنجاح يتطلب أن تكون مع الله، مخلصًا له النية لا ترجو سواه، حسنَ الصلة به، واثقًا به، ملحًّا عليه بالدعاء.

والنجاح يتطلب أن تعيش مع المشروع بدقائقه، تستثمر فيه وقتك صابرًا محتملًا مشاقّ الطريق، فلا يتسرب إلى نفسك اليأس.

النجاح يتطلب تربية النفس لتكون عالية الهمة، تقرأ سير الناجحين لتسلك سبيلهم، وتقتفي أثرهم.

النجاح يحتاج إلى التدريب وزيادة الكفاءات واتباع ما يلزم من دورات.

وأخيرًا لكي تنجح بمشروعك لا بد أن تعيش نجاح المرحلة التي أتممتها، فتحتفي بها وتشجع نفسك بنفسك، لتمنحها شحنة طاقة وشعاع أمل تمضي بهما إلى مرحلة أخرى.

ويصل الكاتب إلى الختام ليؤكد لنا عدم انفصاله عن حقيقة دعوته قائلًا إن ما تقرؤه عبر هذه الأسطر في كتابي (مشروع العمر) هو ما يمثل قناعتي الشخصية أن الأمة بأفرادها، وحين ينجح فرد من أفرادها في العثور على مشروعه في هذه الحياة فكأنما عثرت أنا على مشروعي في الحياة.

هذا مشروع الكاتب، فما مشروع كل واحد منا؟



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة