الكورتيزون وكارثة الوجه القمري

midan - صيدلية
كأن الإنسان يطلب بما يهلكه وينشر المرض في جسده ما يجعله جميلا مرغوبا (رويترز)

ربما يتفاوت الناس في تعريفهم للجمال وتحديدهم لمقاييسه إن كان ثمة مقاييس لا بد موضوعة، بل ولا يجتمعون على صفة واحدة أو خصيصة متفردة تكون عين تحقيقه وآية حصوله؛ إذ هو مزيج متشاكل غير محدود يعكس رؤية صاحبه فيما يخصه به، ليكشف عن شيء من طويته ولمحة من طبعته، وينسبه إلى المظهر الملموس أو المحسوس، بيد أن الأنثى في ذاتها مجبولة على تحقيق الجمال بمفهومه الواسع الذي ينبت في نفسها ثم يثمر ويغدق على من حولها وما في دائرتها من وارف التأمل والهناء والسرور، غير أن النُوب البشرية والحوادث الزمنية قد حطت بظلالها على هذا المزيج المتفرد الذي لا تشبه فيه واحدة أخرى فجعلت الفتيات يؤثرن الجانب الملموس الذي تقع عليه العيون وتتوحل فيه النفوس، فتجني منه أكبر الآثام وتحصد فيه زرع الألغام إيثار الناظر بطرف مكسور.

حتى تفجرت أمامنا كارثة دواء الكورتيزون -هذا السحر الكيميائي الذي يحقق للفتيات أحلامهن في الحصول على وجه متورد مستدير قمري مع زيادة في الوزن- فعصفت بالمجتمع المصري؛ فلا يمر اليوم ولا ينقضي الأسبوع في أي صيدلية حتى تطلبه إحداهن، ثم لا يكون منها بعد تحذير الصيدلي وكشفه عن الأضرار البالغة والعواقب الوخيمة التي ستضرب أعضاءها وتفتك بصحتها إلا الإصرار والعناد، وي! كأن الإنسان يطلب بما يهلكه وينشر المرض في جسده ما يجعله جميلا مرغوبا، ولئن رفض الصيدلي متمسكا بقسمه، فما أكثر أقرانه والدخلاء الذين يصرفونه دون احتياط أو سؤال.

والبداية ليست من عند هذه الفتاة المسكينة التي تتجرع السم بغية أن يكون وجهها أرق من الورد تحت نور الفجر -والدواء يحقق ذلك ولكن بشكل مؤقت وبكلفة ثمنها العافية والجسد- بل من الفكر المادي المتحجر الذي شغب رؤوسنا وبدد أرواحنا واستلب من المجتمع سموه وعلوه، فلم يعد يقبل الإنسان كما خلقه الله، ولا يقدر تجربته الحياتية التي اقتطعت من شبابه، وانتقصت من حيوية بشرته وقدرتها على التجديد والالتئام، إلى الحد الذي غلب المنظور على المشعور، ولئن كانت هذه الفتاة مدفوعة برغبة شخصية في الوصول إلى ما وصل إليه أقرانها، وخصوصا مع الأثر البالغ الذي تتركه وسائل التواصل الاجتماعي علي نفوسهن من حيث ضرورة تحسين الشكل والمظهر، وهن في ذلك مخطئات ولا شك، فإن المجتمع في طبقته الوسطى قد ابتُلي بداء عضال ينخر كل قيمه ويبدد كل مبادئه، فليس ببعيد أن تُدفع الفتاة إلى هذا الخيار السهل السريع القاتل بعدما بث فيها المجتمع الرعب من الرفض والنقص الذين سيلازمانها إذا لم تمتلك ما يسعى وراءه الشباب ولا يرون المرأة إلا من خلاله، في إعلان أشد وقعا لما يعانيه المجتمع على كافة فئاته وأطيافه.

أما الكورتيزون الذي يلقى به داخل الجسد في غير حاجة فهو في الحقيقة الصورة المصنعة غير النشطة لهرمون الكورتيزول الذي يفرز من قشرة الغدة الكظرية استجابة للغدة النخامية، ويلعب دورا هاما في أوقات الإجهاد والضغط العصبي الذي يمر به الإنسان، ويستخدم الدواء تحت إشراف طبي لعلاج بعض الأمراض الصدرية والمناعية المصاحبة بالالتهابات الشديدة، غير أن الذي يحدث مع الفتيات بعد طول استخدامه لغير سبب علاجي هي مجموعة من الآثار الجانبية الخطيرة التي تبدأ بتورد الوجوه واستدارته كالقمر، نتيجة لاحتفاظ الجسم بالكثير من الماء والصوديوم وهو ما يؤدي إلى سلسة متصلة من الكوارث.

ومن تلك الكوارث، ارتفاع ضغط الدم ونسبة السكر فيه، والذي لا تعلمه الفتاة المسكينة أن هذا الدواء له تأثير سلبي على الكولاجين الذي هو مفتاح نضارة الجلد وحيويته، فتصاب بعد فترة بعلامات التمدد الجلدي المصحوبة ببعض التجمعات الدموية، إضافة إلى ضعف الجهاز المناعي وزيادة الوزن المفرطة، واختلال الهرمونات الأنثوية حتى يصل الأمر إلى هشاشة العظام وتلف العضلات، واختلال كافة وظائف الجسم الحيوية، وهو ما يعرف بمتلازمة كوشينغ الشهيرة.

وليست هذه الكارثة إلا انعكاسا مصغرا لما يعانيه المجتمع المصري اجتماعيا وصحيا، في ظل تأخر ما يعلم الإنسان ويسمو بفهمه ويضبط قراراته، وينظم خياراته، فلا يعتسف عن بلوغ الصواب، ولا يصل إلى هذا الحد من الخطل والجهل الذين يسوقانه نحو ذله وعذابه لا موته وفنائه؛ إذ لا يقتل المرض الإنسان سريعا مرة واحدة، بل يستضعف خلاياه فرادى حتى يكون مرور اليوم عليه كمرور السنة من الألم الحديدي والضعف الحتمي والوهن المقطر، وأولى لنا أن نتخفف من وعثاء طلب الكمال المادي، وأن نسلم بحقيقة تغليب الروح، ونستدفع لها في ميدان الحياة المتكالبة، وألا ننجرف مع رياحها العاتية، بل نصبر ونقاوم.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة