أمير البيان.. في استحضار عوامل التراجع

"شكيب أرسلان".. رماح الأمير اللبناني المحارب في خاصرة الاستعمار
أمير البيان الأمير شكيب أرسلان (الجزيرة)

منذ نشأتها تواجه الأمة معارك مع العالمين الشرقي والغربي، فهذه المعركة الحضارية بكل وجوهها حتمية ومتجددة ضمن نظرية صراع الحضارات والفطرة الكونية القائمة على سنة التدافع وملء الفراغ حينما تسنح الفرصة للأقوى والأذكى.

لكن وعلى الرغم من تطور العلوم الاجتماعية والنفسية، وحتى الأحاديث النبوية والقرآن التي تؤكد حدوث ذلك الصراع فإننا قوم لم نتعلم من أخطاء الآخرين وأخطائنا التي مررنا بها عبر التاريخ القديم والحديث، فالأمم المتقدمة فكريا وعلميا تضع نفسها دائما في حالة من الاستعداد والتسلح المستمر في العلم والتنظير والماديات التي تعزز فائض القوة والتي لا تؤمن بغيرها هاتان الحضارتان: الغربية والشرقية، إلا أننا في حالة سبات رهيب يكاد يشفق علينا من ينظر إلى واقعنا، قد لا يصدق المشهد في تكرار الماضي ولكن مع الاختلاف في الظروف المكانية والزمانية إنما النتيجة واحدة والهزيمة واحدة تعيدنا إلى الجاهلية، غير الجاهلية الأولى التي سبقت ظهور خير الأنام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد كتب المرشد الشيخ محمد بسيوني إلى شيخه رشيد رضا طالبا منه أن يقترح على أمير البيان الأمير شكيب أرسلان أن يكتب مقالا في مجلة المنار عن أسباب ضعف المسلمين وسبب تقدم الغرب واليابان، فقام الأمير بتأليف كتاب عنوانه "لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟".

في ذلك الكتاب يفند الأمير شكيب أرسلان أسباب التراجع وتقدم الآخرين، طبعا ذلك التراجع لا ينحصر في الحضارة الإسلامية إنما أي أمة أو حضارة اتبعت تلك الخطوات الانهزامية التي سلكتها الأمة الإسلامية، فهي حتما ساقطة.

لا تسقط الأمم بشكل فجائي ولكنها تتعرض لصدمات متعددة تؤدي إلى تراجعها تدريجيا حتى زوالها واندثارها، فهذا ما حصل تماما في الحضارة الإسلامية التي فتحت العالم خلال 50 سنة فقط، وهو رقم قياسي بالنسبة لحضارة حديثة الولادة والنشأة، ولكن سبب الانتشار السريع يعود إلى عدة عوامل، منها امتلاكهم منظومة قيم وثوابت شجعت الأمم المحتلة مثل مصر والأندلس على أن تطلب من تلك الحضارة أن تنقذها من الظلم الحاصل في بلادها آنذاك.

كما أن النشاط والإيمان بالقضية والإصرار وغيرها من العوامل أدت إلى صمود تلك الحضارة رغم الصدمة من الحروب الصليبية وحملاتها المتعددة والصدمة المغولية التي كان لها أثر كبير في اختفاء مكتبة بغداد منارة العالم في العلم والفلسفة وسقوط الخلافة العباسية، إلا أن الأمة نهضت مجددا، لكن تلك العوامل لم تعد موجودة للأسف اليوم.

لقد ذكر أمير البيان الكثير من الأسباب للتراجع ضاربا المثال في الفرق بين التضحية من جانب شعوبنا وشعوب الآخرين، ففي إعانة مصر لمجاهدي طرابلس وبرقة أثناء احتلال إيطاليا لليبيا وحتى في القضية الفلسطينية فإن المعونات من أموال ورجال كانت قليلة جدا نسبة لحجم قدرات الأمة، فالأمة التي لا تضحي بالمال والرجال والوقت لا تستحق أن تكون أمة حقيقية، أما الغرب مثل الولايات المتحدة الأميركية وكل أوروبا فقد ضحى بالغالي والرخيص على قضية باطلة أصلا، فقد أنفق المليارات في سبيل الاستعمار والإمبريالية التي تناهض المبادئ التي قامت عليها فرنسا وحتى مبدأ ويلسون.

أما السبب الآخر فهو خيانة بعض المتأسلمين وما أكثرهم وهم كثر أيضا اليوم، فليس كل من أطلق اللحى وقال: قال الله، وقال الرسول هو مسلم الشخصية والهوية والانتماء، وهذه الحالة المرضية منتشرة بقوة في بلادنا، فلقد كتب رؤوفين إرليخ قبل 18 عاما كتابا بالعبرية عنوانه "المتاهة اللبنانية.. سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان من 1918 إلى 1959" ذكر فيه العائلات اللبنانية والعربية التي لها ارتباط وثيق بالكيان الإسرائيلي، منطقيا لا يمكن ولا بشكل من الأشكال أن يستتب الأمر لكيان لا يشبه المنطقة الي جاء لاحتلالها، لا في اللغة ولا في التاريخ ولا في الثقافة، وحتى لو كان يملك قوة عسكرية هائلة إلا أنه يشبه الجسم الغريب الذي يدخل في جسم الإنسان الذي يقوم تلقائيا بمحاربته، فيموت الإنسان أو يطرده، ولكن بسبب الخونة والخيانة استطاعت إسرائيل أن تثبت أقدامها.

أما عن الكسل فحدث ولا حرج، فاليوم نرى في أمتنا شبابا صغارا وكبارا في النكسات يطلبون من الأمم المتحدة والدول الخارجية أن تساعدهم أو أن تدعمهم في ثوراتهم، متناسين قاعدة أساسية وهي نظرية شريعة في الاستحمار والاستعمار التي ذكرها في كتابه "النباهة والاستحمار" فإن سوريا والبوسنة والهرسك من الأمثلة السيئة التي تشرح كيفية تعاطي الدول مع القضايا الإنسانية والثورات، وقد أدرك الغرب أن مرحلة الاستعمار وصلت إلى مشارفها عند نهاية الحرب العالمية الثانية فكان لا بد من زرع رجال له في تلك البلاد، فانتهى الاستعمار وبدأ عصر الاستحمار ونهب وسرقة ثروات الشعوب.

أما النقطة الأهم فهي أن كثيرا من أصحاب الشهادات والعلم يرفعون شعار معاداة الأديان كبداية للحداثة واللحاق بقطار الحضارتين الغربية واليابانية، ولكنهم لم يدركوا حقيقة ثابتة وهي أن اليابان تقدمت دون أن تتعرى من هويتها الثقافية والدينية، كذلك أوروبا التي يظن البعض أنها علمانية ولكنها أكذوبة لا تصدق، والدليل هو حملات التبشير التي كانت منتشرة بشكل واسع في كل من شمال أفريقيا ومصر ولبنان وغيرها من الدول، فإن التقدمية ليست نقيض الهوية.

لقد حافظت كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا على قوميتها، أي سلكت طريق الحفاظ على الهوية القومية والوطنية واللغة، فإذا ذهبنا إلى ألمانيا فإنهم لا يحدثونك إلا بلغتهم، أما إذا زرت الإمارات فتشعر أنك لست في بلد عربي، هذه الأمثلة كفيلة بشرح عدم مفهومية وخلط الأمور بين التقدمية والهوية، فهذه سذاجة في الرؤية والتصور وطرح الحلول، ولكن الجمود الفكري هو نقيض السلوك المحافظ على كل مقومات الحضارة كالهوية الوطنية والشواهد التاريخية.

ليس مستحيلا أن تلحق الأمة بالركب الحضاري وفي فترة قصيرة، وهي قادرة على ذلك، ولكن ذلك يحتاج إلى إرادة حقيقية تبدأ بفهم طبيعة الصراع، والأمم تسعى إلى مصالحها، ومصلحتها هي ألا ننهض لأننا نملك الرجال والثروات والتنوع العرقي والطائفي وكل مقومات الدولة القوية وتنتهي بمحاربة اليأس والكسل والتسلح بالنشاط.