الشعر بين الوثيقة التاريخية والوسيلة الدعائية

العيد في قوافي الشعراء.. حلل الأدب التي تكسو مباهج الملوك
ابن القيسراني مدح عماد الدين زنكي وخلد انتصاره على الفرنجة في معركة بارين أمنع حصونهم سنة 534هـ (الجزيرة)

قال عنه الذهبي في سيره: "سيد الشعراء أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير بن خالد القيسراني. ولد بعكا، ونشأ بقيسارية، وسكن دمشق، وامتدح الملوك، وقرأ الأدب، وأتقن علم الهيئة والهندسة". قال عنه السمعاني: "هو أشعر من رأيته بالشام، ولد سنة ثمانٍ وسبعين وأربعمئة، وتوفي سنة ثمان وأربعين وخمسمئة" [الذهبي، سير أعلام النبلاء 20/ 226].

ويعتبر ابن القيسراني من أشهر شعراء العهد الزنكي، وقد خلَّد انتصارات عماد الدين في بلاد الشام، وشهد بأم عينيه البطولة الإسلامية وهي تحقق الانتصارات الرائعة على الصليبيين. وقد قال هذا الشاعر قصيدة مدح فيها عماد الدين زنكي وخلد انتصاره على الفرنجة في معركة بارين أمنع حصونهم سنة 534ه [الركابي، الأدب العربي من الانحدار إلى الازدهار، ص 25]:

حذارِ منَّا وأنَّى ينفع الحَذَرُ .. وهي الصوارم لا تبقي ولا تَذَرُ

وأين ينجو ملوك الشِّرك من مَلِكٍ .. مَنْ خيلُهُ النصر لا بل جُندُهُ القَدَرُ

سلُّوا سيوفاً كأغماد السُّيوفِ بها .. صالوا فما غَمَدُوا نَصْلاً ولا شهروا

حتى إذا ما عماد الدين أرهَقَهم .. في مأزق مِنْ سَنَاه يَبْرُقُ البَصَرُ

وَلَّوْا تضيقُ بهم ذَرْعاً مسالكهم .. والموتُ لا ملجأٌ منه ولا وَزَرُ

وفي المسافة من دون النَّجاة بهم .. طُولٌ وإن كان في أقطارها قِصرُ

وأصبح الدِّين لا عيناً ولا أثراً .. يخاف والكُفْرُ لا عين ولا أثرُ

فلا تخف بعدها الإفرنج قاطبة .. فالقوم إن نفروا أَلْوى بهم نَفَرُ

إن قاتلوا قُتلوا أو حاربوا حُرِبوا .. أو طاردوا طُرِدوا أو حاصروا حُصِروا

وطالما استفحل الخطبُ البهيمُ بهم .. حتى أتى مَلِكٌ آراؤه غُرَرُ

والسيف مُفْترِعٌ أبكارَ أنفسهم .. ومن هنالك قيل الصارم الذَّكرُ

لا فارَقَتْ ظِلَّ محيي العَدْل لامعة .. كالصُّبح تطوي من الأعداء ما نَشَروا

ولا انثنى النَّصرُ عن أنصار دَوْلته .. بحيث كان وإن كانوا به نُصِروا

حتى تعود ثُغورُ الشام ضاحكة .. كأنما حَلَّ في أكنافها عمرُ

[أبو شامة، كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، 1/ 132].

ويعتبر عماد الدين زنكي أول من مدحه ابن القيسراني من الزنكيين. وكان جمال الدين الأصفهاني وزير عماد الدين السبيل الذي أوصله إليه، فنظم في جمال الدين القصائد، ومدحه بمدائح كانت كما يقول العماد أجود ما سمع من منظومة في الأفاضل [موسى، الأدب العربي في بلاد الشام في عصور الزنكيين والأيوبيين والمماليك، ص 177]. ومما قاله في مدح جمال الدين الأصفهاني:

وإذا الوفود إلى الملوك تبادرت .. فعلى جمال الدين وفد محامدي

يا حبذا همٌّ إليك أصارني .. وعزيمة تقفو رياضة قائدِ

أنا روضةٌ تُزهى بكل غريبة .. أفرائدي من لم يَفُزْ بفرائدي

إن ساقني طلبُ الغنى أو شاقني .. حبُّ العلا فلقد وَردتُ مواردي

ومتى عدَّدْت إلى نداك وسائلي .. أعْدَدْتُ قصدي من أجلِّ مقاصدي

حتى أعود من امتداحك حالياً .. وكأنني قُلّدتُ بعض قلائدي

ومما قال فيه أيضا:

ومروَّع سَكَنَتْ خوافقُ أمنه .. لولا جمال الدين عزَّ أمانه

أمحمد بن عليٍّ اعتنق الأسى .. فكري فضاق بفارس مَيدانُهُ

ما بال حادي المجد مغبر المدى .. وأخو الهُوَينى روضةٌ أعطانُهُ

وأنا الذي لا عيب فيه لقائل .. ما لم يقلْ هذا الزمان زمانه

فهل المحامد ضامناتٌ عنكَ لي .. معنًى على هذا البيانِ بيانُه؟

وهي القوافي ما تناظر بالندى .. إلا وقام بفضلها برهانُهُ

ما كان بيتُ فضيلةٍ في فارس .. إلا ومن عربيتي سلمانُهُ

وقد أورد الذين ترجموا لابن القيسراني طائفة مختارة من شعره، ولا سيما العماد الكاتب في خريدته، وياقوت في إرشاده. وقد درس مجموعة من الناقدين شعره، ومن أشهرهم من المعاصرين الدكتور عمر موسى باشا، وقد أشار إلى أن شعره تميز باتجاهات عامة ثلاثة: تصور الأحداث الكبرى في بلاد الشام، والاتجاه التقليدي في المدح، والتجديد في معاني الغزل والنسيب. ونحن ندعو شعراء اليوم للقيام بواجبهم في بث روح الجدِّ، والعمل، والجهاد في الأمة من خلال ملكة الشعر التي وهبها الله لهم. [موسى، الأدب العربي في بلاد الشام في عصور الزنكيين والأيوبيين والمماليك، ص 178).

صوّر الشاعر الأحداث الكبرى في عصره خير تصوير، ووصف من خلال المدح الأبطال المسلمين وحروبهم ورسمها بدقة، فكانت لنا صورة حقيقية عن الملاحم المشتجرة بين المسلمين والفرنجة. ونستطيع القول: إن المدح التقليدي المعروف خرج عن طوقه الآسر، وتطرق إلى وصف هذه الأحداث خلال فترة مديدة من الزمن، ولم يبق الشاعر كما كان كثيرٌ من سابقيه أسير المعاني التقليدية المعروفة: جودٌ، وبأسٌ، وحلمٌ، بل وجد نفسه أمام صراع مرير تسترخص فيه المهج، وتبذل له الأرواح في سبيل العقيدة، وصون الأوطان، وحماية الأعراض، وطرد المغتصب.

فقد أدى الشاعر مهمته خير أداء، فصور هذه الأحداث الجسام ونظمها في شعره، وخلدها على توالي الأيام وتعاقب الدهور، شأنه في ذلك كأي مؤرخ، وقد تفاعل مع الأحداث، ومما قاله في عماد الدين زنكي وجهاده:

فقل لملوك الكفر تُسلم بعدها .. ممالكها إنَّ البلاد بلادُه

كذا عن طريق الصُّبح فلينته الدجى .. فيا طالما غال الظلام امتدادُه

ولله عزمٌ ماءُ سيحان وردهُ .. وروضة قسطنطينة مسترادُه

[أبو شامة، كتاب الروضتين في أخبار الدولتين،1/ 37-38].