السودان.. ماذا بعد نهايات أكتوبر؟

في مسيرات 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بدا السودانيون أقل عاطفية، فلم تعد البدلة العسكرية المهيبة كافية لإغرائهم (مواقع التواصل الاجتماعي)

حفل الأسبوع الأخير من أكتوبر/تشرين الأول المنصرم بساعات -وليس بأيام- مفصلية، حيث كان كل قرار أو تصريح فيها يحمل متغيرات وتفاصيل خاصة به، هذا مع الإشارة إلى أن قرارات الفريق الأول عبد الفتاح البرهان كانت متوقعة، بل بدا أنها تأخرت، فظهر توتر علاقة الشقين المدني والعسكري ماثلا للعيان، وأعان هذا التوترُ المدنيين على أنفسهم بتصريحات وقضايا انصرافية مست -في بعض منها- الشعور الديني للناس والنخبة، كما لم يطمئن الناس للعسكر كفاية حول موقفهم في بعض الملفات، ويتم يتمكن العسكر من إقناع الشارع والمسؤولين المدنيين بانفكاكهم عن النظام السابق.

وكان بإمكان الفريق البرهان أن يأخذ مسارا أكثر كسبا من المسار الراهن، فتسليم السلطة للمدنيين -مع ضمانات أكثر لهم- كان سيحقق معادلة متميزة، إضافة إلى أن خلفية البرهان الإدارية والخطابية الشعبوية؛ كانت كفيلة بجعله تلميذا نجيبا لسوار الذهب.

لكنه أخذ قراراته بخريطة طريق أقل وضوحا وبلا جدول زمني، ولا أسماء لبدلاء في الحكومة ورئاستها أو حتى الولاة، ناهيك عن الارتباك في الإفراج عن بعض منسوبي المؤتمر الوطني ثم إعادة اعتقالهم، الأمر الذي أطاح بالنائب العام و7 آخرين، وكل هذا يجعل الأسئلة أكثر من الإجابات المعروضة.

أما مسيرات 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي فكانت قصة أخرى، حيث بدا فيها السودانيون أقل عاطفية، فلم تعد البدلة العسكرية المهيبة كافية لإغرائهم، ولا يبدو أن نزول الأسعار سيكون كافيا أيضا، فالجيل الناشئ مختلف كليا، ولديه خيارات مختلفة، أما سيناريوهات العصيان المدني طويل المدى فتبدو صعبة في بلد يعيش كثيرون فيه على رواتب الحكومة والأعمال الحرة قصيرة النفس والمدى، وقد يبدو الخيار الأمثل متمثلا في عصيان مدني متذبذب يضغط على البرهان ولا يؤذي الشارع، علما أنه يوجد موظفون عصاة أقالتهم لجنة التمكين يمكن الاستفادة منهم، وهذه الإقالة هي إحدى أسرار خلاف العسكر والمدنيين.

ومع تشابك المصالح الدولية بين الجانبين الشرقي والغربي من العالم، يبدو السودان في انتظار خيارات معينة، فالصين وروسيا تبدوان ميالتين لدعم العسكر، بينما يشعر الغرب -خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا- بأن الخيار المدني أقرب لمصالحهم، لأن الصين وروسيا تحتاجان السودان بسبب موقعه الحيوي لتكملة طريق الحرير الجديد، وهذا سبب كاف للغرب للضغط في الاتجاه المناقض، بل يبدو جليا أن الولايات المتحدة تبلور خطة من نوع ما، وقد أشار إليها سابقا -على شاشة الجزيرة- سفير واشنطن السابق في الخرطوم، وسيكون لدى جيفري فيلتمان تفصيلها. أما بريطانيا، فالسودان ذو أهمية تاريخية خاصة، ولم تنقطع صلتها به حتى في أشد عصوره اشتراكية.

مصر من زاويتها كانت منذ 1952 تميل للعسكر، وعلاقاتها بهم أوثق منذ زمن الرئيس السابق جمال عبد الناصر، لكن مسألة تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي وانعكاسات ذلك على موضوع سد النهضة؛ شيء لا تحتمل مصر رؤيته طويلا، أما إثيوبيا فقد فضلت ترك الأمر للاتحاد الأفريقي، وأرسلت للطرفين -العسكري والمدني في السودان- رسالة علنية مفادها "اقلعوا شوككم بأنفسكم"، أما تشاد فمنشغلة بهمومها الخاصة، والخليج لا يفضل مطلقا سودانا مفككا أو أن يعيش في أزمة، فهناك موارد كثيرة سيهم الخليج أن يستثمر فيها، ولعل بعض أخطاء المدنيين نتجت من عدم الانفتاح على الخليج واستثماراته.

ولا تبدو الحلول جاهزة تماما، ولكن يمكن صياغتها على مهل، والمزاج السوداني ليس دمويا، ولا يحب الدماء، ويستطيع دائما إيجاد حل ما بصورة من الصور، ومع الضغط الدولي وتتابع المبادرات فإن الحل سيكون حاضرا بصورة من الصور.

وعليه فحتى ساعة نشر هذه المدونة، قد يكون هناك كثيرا من المستجدات. داعيا الله ألا تكون دماء جديدة قد سالت في وطن مثخن بجراح سببها أهله.