وصفي قبها.. نفس كبيرة تعب في مرادها الجسم

القيادي بحماس وصفي قبها المسيرة الشبابية لدعم الأقصى بنابلس
القيادي بحماس وصفي قبها (الجزيرة)

يوم الخميس السادس من ربيع الآخر 1443هـ، الموافق 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 أُعلنت وفاة المهندس (وصفي عزات قبها)، واسم العائلة المعروفة (قبها) أحيانا يكتب بالكاف (كبها).

توفي (أبو أسامة) في مستشفى ابن سينا التخصصي في مدينة جنين (شمال الضفة الغربية)، بعد شهرين من مكوثه تحت العلاج من فيروس كورونا وتبعاته.

كانت ألسنتنا تلهج بالدعاء أن يتجاوز هذا المرض ويتعافى، ولكن قدّر الله وما شاء فعل.

وشُيّع الجثمان من مسجد مخيم جنين الكبير إلى مقبرة الشهداء في المخيم بعد صلاة الجمعة 12/11/2021م، بحضور الآلاف في جنازة مهيبة هرع إلى المشاركة فيها أناس من أقصى جنوب محافظة الخليل حتى جنين في الضفة الغربية والقدس، إضافة إلى من حضر من مناطق فلسطين 48 (عشيرة قبها لها امتداد كبير في منطقة المثلث ووادي عارة).

خطب خطبة الجمعة الدكتور إبراهيم أبو سالم أحد أئمة الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، وأشاد في الخطبة بمناقب الفقيد ومزاياه.

وافتُتح بيت العزاء في ساحة نادي مخيم جنين، وهي لا تفتح عادة إلا لعزاء الشهداء، وتقاطرت الوفود من شتى المناطق لتقديم التعازي لأهله وأحبّته ورفاقه في الأسر والمقاومة.

كثيرون كتبوا عن الراحل، وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي برثائه، وحمل بعضها أناشيد ومقاطع من أقواله، ولا أدري ما الذي سأضيفه في ما أكتب عن الراحل؟!

أما لماذا كان التشييع والدفن في مخيم جنين، فعلمت أن هذه كانت وصيته التي نفذت بعناية، وهو ليس غريبا عن المخيم، فلطالما كان حاضرا في ساحاته وبيوته في ذروة انتفاضة الأقصى (2000-2005)، وفي السنوات الأخيرة لم يترك مناسبة أو فعالية تتعلق بالأسرى والشهداء في المخيم إلا كان حاضرا فيها وله كلمة يلقيها تحضّ على السير على نهج المقاومة والوحدة الوطنية ونصرة الأسرى.

وزوجته من المخيم، واثنتان من بناته الستة (له ابن و6 بنات) متزوجتان في المخيم، إحداهما متزوجة بنجل الأسير الشيخ جمال أبو الهيجا المحكوم بالمؤبد 9 مرات في سجون الاحتلال، وبالمناسبة بيت الشيخ جمال لطالما استقبل الراحل كفرد منه، بل إن لوصفي صورة في صالون البيت معلقة منذ 15 عاما.

وهو أصلا ابن بلدة برطعة وهي بلدة شطرها الاحتلال إلى شطرين بعد اتفاقيات التهدئة سنة 1949، فأصبح الشطر الغربي (إسرائيليا) سكانه يعيشون الحالة والظروف التي يعيشها أهل فلسطين في مناطق الـ48، أما الشطر الشرقي فهو جزء من الضفة الغربية، وبعد إنشاء جدار الفصل العنصري عقب عملية السور الواقي سنة 2002 صار الجزء الشرقي ضمن مناطق تعرف بـ(خلف الجدار)، أي إن الدخول إلى هناك يحتاج إلى تصريح خاص من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وقد مُنع وصفي من حق الدخول والإقامة هناك حيث الأب والأم -رحمهما الله- والأهل والأقارب، وظلّ مقيما في شقة متواضعة بمدينة جنين.

ومن ثم لا يمكن للمشيّعين دخول (برطعة)، والاحتلال على الأغلب لن يوافق على دخول الجثمان إلى هناك، فضلا عما ذكرت عن وصية الراحل.

ويضاف إلى ذلك أن مخيم جنين كان وما زال أيقونة مميزة للمقاومة، فهو لم يعرف الهدوء إلا فترات قليلة منذ عقدين، والراحل أحد رموز المقاومة.

الكتابة عن أصحاب الهمم العالية من الرجال أمر ليس سهلا، بخاصة على من هم مثلي، ممن رصيده لا يذكر، ولكن من باب الوفاء والتقدير والاعتراف بالدرجة الأدنى أمامهم تجرّأت على الكتابة عن رجل عظيم بمعنى الكلمة. وأبدأ بالقول إن وصفي ابن حركة الإخوان المسلمين، ثم ابن ابنتها (حركة المقاومة الإسلامية حماس)، وأحد أبرز قادتها في الضفة الغربية، لم يتردد في انتقاد ما يراه يستحق النقد لحركته وقياداتها علنا، مع احتفاظه بانتمائه وإخلاصه لها وباعتزازه بها، وقد دفع أثمان هذا الانتماء الباهظة… لقد سار حتى مماته على درب ذي شوكة.

انتماء وإخلاص جرّ عليه سنوات طويلة في السجون الإسرائيلية، لدرجة أنني مرة سألته قبل سنوات: كم مجموع ما مكثته من وقت خارج السجن منذ 2002؟ فقال "أقل من سنة"!

فلم يكن يخرج من السجن الإسرائيلي حتى يعود له مجددا صابرا محتسبا، رغم أنه مريض بالضغط والسكري وغيره، مما يجعله من أصحاب الأعذار، ولكنه لم يكن يرى نفسه إلا صاحب رسالة وحامل همّ قضية كبيرة.

وحتى قبل شهور جاءت قوات الاحتلال لاعتقاله من منزله ولم يكن موجودا، وظل مطاردا ومطلوبا لقوات الاحتلال حتى دخوله المستشفى مريضا بكورونا.

عمل رئيسا لقسم الهندسة في بلدية جنين، ثم تولى وزارة شؤون الأسرى والمحررين في الحكومة الفلسطينية العاشرة التي شكلتها حماس بعيد فوزها في انتخابات 2006، ووزير دولة في الحكومة الـ11 قبل الانقسام في 2007، وامتاز بتواضع ملحوظ قرّبه من قلوب الناس.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما:

"إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِئَةِ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً".

ووصفي بشهادة من أحبه ومن لم يحبه -إذا كان منصفا- من الرواحل في فلسطين، فلم يكن يترك فعالية تخص الأسرى، من استقبال أو وقفات تضامنية أو مسيرات إلا تجده حاضرا من محافظة الخليل جنوبا حتى نابلس وطولكرم وقلقيلية شمالا، مرورا برام الله وبيت لحم.

بل قبل دخوله المستشفى بساعات كان في وقفة تضامنية مع الأسير المضرب عن الطعام (علاء الأعرج).

لم يكن يترك بيت عزاء إلا يرتاده معزّيا، خاصة بيوت عزاء ذوي الأسرى والشهداء، ولم يكن يتخلف عن دعوة لحضور حفل زفاف أسير محرر، أو نجل شهيد.. لقد كان رغم مرضه بالضغط والسكري وتقدّمه في السن صاحب طاقة عجيبة لا تكاد تجدها عند شاب فتي.

كان وصفي يتحمل النقد الشخصي، وأتذكر غضبي وامتعاضي من استشهاده بأحد الكتب باعتباره مفسرا لحدث سياسي مفصلي، فلقيته وقلت له: سأكتب نقدا عنك من دون ذكر اسمك صراحة ولكن سأذكر درجتك العلمية ومنصبك السابق، فابتسم بود وقال: خذ راحتك.

حدثني أنه في مقابلة إعلامية تحدث مستشهدا بمقال لي (هل يمكن اختراق المجتمع الإسرائيلي حقا؟!) لدرجة أنه كما أوضح لي قرأ كامل المقال تقريبا، وبدا كأنه يلتمس مني عذرا إذ لم يشر إلى عنوان المقال أو كاتبه (أنا)، فقلت له: هذا شرف لي، والناس لا يقرؤون عموما، فأنت نشرت الفكرة بطريقة عملية، ولا داعي أن تذكر اسمي.. فطلب مني نسخة من كتاب (رحلة إلى إسرائيل) الوارد ذكره في المقال المذكور.

هل يمكن اختراق المجتمع الإسرائيلي حقا؟!

 

كل من عرف وصفي ولو قليلا يمكنه الكتابة والحديث عنه، والجامع لكل هؤلاء وحديثهم أنه رجل عظيم النفس، عالي الهمة، يحمل همّ قضية فلسطين والأسرى، كأنها قضيته الشخصية، ويتجسد فيه قول أبي الطيب المتنبي:

وإذا كانت النفوس كبارا .. تعبت في مرادها الأجسام

رحم الله عبده وصفي قبها، وجزاه عن فلسطين والأسرى وذويهم خير الجزاء، فما عرفنا عنه إلا الصدع بالحق والجرأة والشجاعة، ولا نزكي على الله أحدا.

إنا لله وإنا إليه راجعون