شعار قسم مدونات

صحفي يمني وسط معمعة بولندا وبيلاروسيا

عاش المعترك اليمني وتعايش معه فأجبرته الحرب على التوقف عن دراسة الإعلام ليكتسب خبرته من الميدان (مواقع التواصل)

لم يكمل دراسته الجامعية في كلية إعلام في صنعاء، ولعله أحسن الفعل، وقد انتابه إحباط من مشهد تبادل زملائه حمل عبوة مياه كبيرة على أنها كاميرا تلفزيونية وعبوة مياه شرب صغيرة على أنها ميكروفون وهم يقومون بالتدرب على العمل الصحفي الميداني بإشراف أساتذتهم، وأي إعلام يكتسبه إعلاميون مبتدئون وهم مجردون من أبسط أدوات التدريب والتعليم في عالم التكنولوجيا الرقمية والتصوير عبر طائرات مسيّرة؟!

هذه بدايات المصور الصحفي معتصم الهتاري، شاب في العشرينيات من عمره، عاش المعترك اليمني وتعايش معه، فأجبرته الحرب على التوقف عن دراسة الإعلام ليكتسب خبرته من الميدان، فحمل الكاميرا وحيدا دون مرافق، وصوّر لقنوات عدة، منها شبكة الجزيرة بقناتيها العربية والإنجليزية، ليقدم مادته الخام للمحترفين، قبل أن يصبح أحدهم بعد كثير من التصويب والتوجيه.

البحث عن ملجأ

عمل متخفيا تارة، ومستغلا تسامح الشرطة مع آلاف اليمنيين من أمثاله تارة أخرى (مواقع التواصل الاجتماعي)

إنه واحد من مفجري أزمة الحدود بين بيلاروسيا وبولندا، وقد قطع قبلها حدودا دولية كثيرة بطرق نظامية وغير نظامية، وذلك إثر سقوط بلاده في دوامة الحرب منذ عام 2015، فوجد نفسه بلا عمل أو رعاية من قبل أي مؤسسة إعلامية، حيث كان يعمل بأجر يومي وبلا عقد يثبت له حقوقا، وعندما أغلقت معظم المكاتب الإعلامية في صنعاء تبعثر زملاؤه الصحفيون المحليون والأجانب، وتاه من بقي منهم بين الولاء لجهة والهروب من أخرى.

استفاد من التسهيلات الماليزية الممنوحة للسياح في عهد ما قبل كورونا، مثل دخولهم البلاد دون الحصول على تأشيرة مسبقة، وما إن دخل ماليزيا حتى تعاقبت عليه الصدمات، فكان أولها اكتشافه أن كوالالمبور لا تقبل اللاجئين على أراضيها، ولا تعترف بحقوقهم المنصوص عليها في القوانين الدولية، منها حق العمل والتعليم، فهي غير موقعة على اتفاقية جنيف للاجئين عام 1951 أو بروتوكول اللاجئين لعام 1967.

عمل متخفيا تارة، ومستغلا تسامح الشرطة مع آلاف اليمنيين من أمثاله تارة أخرى، ثم اشترى كاميرا ليعرض خدماته على القنوات التلفزيونية، لكن تعقيدات قوانين العمل الإعلامي في ماليزيا جعلت مهمته صعبة جدا إلى درجة الإحباط، يضاف إليها عدم اكتراث الإعلام العربي بماليزيا وجنوب شرق آسيا، ثم جاءت جائحة كورونا لتضع حدا لآماله وطموحاته، فلم يكن أمامه سوى التفكير في الهجرة ثانية.

أزمات مترابطة

بولندا – التي احتضنت حلف وارسو لمواجهة حلف شمال الأطلسي- استقبلت قبل نحو عام ألف جندي أميركي إضافي لتعزيز قواعد الرادارات والصواريخ الأميركية على أراضيها، وهو ما لم تجد روسيا له تفسيرا غير استهدافها، إضافة إلى إثارة حنق من لف لفها، ومن هنا يفهم اتهام الاتحاد الأوروبي لبيلاروسيا بافتعال أزمة اللاجئين غير النظاميين، وكأن مينسك ومن خلفها موسكو عرفتا كيف تمسكان بأصبع أوروبا الموجع.

أما الجانب الآخر الأكثر إيلاما من الناحية الإنسانية فهو مشاكل الشرق الأوسط، وقد ألقت روسيا على بولندا مسؤولية تدفق اللاجئين من بلدان مثل العراق، وذلك بتذكير وارسو بشراكتها في تدميره ودعمها الاجتياح الأميركي الغربي له عام 2003.

وموطن المصور الصحفي في اليمن ليس أفضل حالا من العراق، وقد نجا من الحرب الدائرة في بلاده ومن مخاطر الهجرة منها، وبعد سنوات من البحث عن مكان آمن لأسرته يمكن أن يتلقى فيه أولاده تعليما أفضل مما حصل عليه، وصل إلى مدينة ميونخ متخطيا أسابيع من تهديد السلاح والجوع والبرد، وتمنى الهتاري مرة أخرى لو كان ناقلا للخبر والصورة وليس مادة لهما، وبعد دخوله بلاد الاتحاد الأوروبي تردد على أسماعه أن عشرات المهاجرين غير النظاميين لقوا حتفهم في الممرات الحدودية التي سلكها.

حاول تسجيل معاناة المهاجرين غير النظاميين من خلال تجربته (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

حاول تسجيل معاناة المهاجرين غير النظاميين من خلال تجربته، لكنه فقد كاميرته الصغيرة التي أخفاها عن أعين خفر الحدود على الجانبين، فيما كان يخلص نفسه من الأسلاك الشائكة التي تفصل بينهما.

حلم الهتاري كثيرا بأن يتحول من خلف الكاميرا إلى أمامها، فيعمل مراسلا تلفزيونيا، ولم يدر بخلده أن يكون مادة إعلامية إلى أن قرر المجازفة، فوقف أخيرا في مدينة لايبزيغ الألمانية يحكي قصص المخاطرة بالحياة على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا، أو الاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي، ومن قصص المغامرة التي حكاها لقناة الجزيرة الإنجليزية تلقيه تهديدات بالسلاح من جنود نظاميين يأمرونه بالسير في اتجاه واحد عبر الحدود البيلاروسية البولندية.