فيلم "غزل البنات".. لماذا لا أملّ مشاهدته؟!

ملصق فيلم "غزل البنات" (الجزيرة)

ذلك الفيلم، الذي مات كلُ من شارك فيه، يسيطر على حواسي كل مرة أُشاهده فيها، كأني -ولأول مرة- أراه، فتتجدد مشاعري، وتمتلئ عيناي بالدموع حين أُقبل على نهايته.

لماذا؟ ما السر في ذلك الفيلم؟ هل سأظل أبكي من مشاهد أربعينية لم يصبغها سوى لونين الأبيض والأسود؟!

هل سأظل أبكي كلما شاهدت فيلمًا أُنتج حينما كان جدي لا يزال شابًا يافعًا؟ أنا ابن الـ22 عامًا، فلماذا أبكي إذن؟!

علّه الحب

عللت السبب بالحب، وقلت: "إن الحبَّ هو السبب وراء بكائي المتكرر وتعلقي الشديد بذلك الفيلم". فقصة "غزل البنات" تحكي عن الحب المستحيل، ومعاناة الحب من طرف واحد تحكي عن الضحية، ذلك الذي يهوى في صمت، وهو يرى محبوبته بين يدي شخص آخر، تُشاركه مشاعرها النافذة إلى قلبه.

هل أشبه الأستاذ "حمام" (نجيب الريحاني) الذي وقع في حب "ليلى مُراد"، وذاق الغرام وأهواله؟ هل أشبههُ في شيء؟

عُدت بالذاكرة للصف الثالث الثانوي، أول معرفتي بالحب، فقد وقعت أسيرَ عيني زميلتي في درس الفلسفة، ظللت أرقبها كلما حضرت، كانت عيناي حين يبدأ المعلم في الشرح تؤخذ نحوها، وقلبي يهمس بدقات من الولع الحار، وشفتاي تكاد تنطق بأربعة أحرف: "أحبك".

كنت رهين هواها، عبدًا لذكراها، ما إن تحضر حتى يهفو قلبي خافقًا بالفرح، وإن غابت كأن الدنيا ضاقت بي، وانكب الليل عليَّ، ولو خاطبت غيري كأن صدري يُمزقه خنجرٌ حادُ النصلِ.

الخلاصة: كنت كما مجنون ليلى!

لكن، لم أجرؤ يوما على مصارحتها، وقد نصحني الجميع بتركها والابتعاد عنها، والاهتمام بدراستي، رغم أني كنت أكثرهم تفوقًا، فإن سر تفوقي أني أردت (فقط) لفت انتباهها..

وكان لي صديق -وما أكثرهم في زماننا- يحب الاستماع لي حين أُحدثه عنها، حتى إنني أسمعته أولَ بيت شعر كتبته في حياتي، أُغازلها فيه، دون أن أعرف هل هو موزون أم لا؟! فلا يهم، ما دام الشعر يُقال فيمن أُحب، فلتحترق العَروض وبحورها بأصحابها في الجحيم:

علِّ أُقيمُ لك كعبةَ عشاقِ .. أكون فيها إمامَ العاشقين

فاتفق معي صديقي أن يمدني بالنصائح مُقابل مساعدتي له على المذاكرة، فقد كان فاشلا. وبالتأكيد لم تنفعني تلك النصائح، فأنا أجبن من أن أعترف بحبي خوفا من ردة فعلها. فبقيت في أحلامي اليقظة أحلم باليوم الذي ألمس فيه يديها.

وبعد مرور العام الدراسي، وقبيل التحاقي بالجامعة، انقطعت أخبارها لفترة ليست بالقصيرة، فحاولت أن أعرف عنها أي شيء، فدخلت صفحة فيسبوك الخاصة بها، لأكتشف أنها قد خُطبت من شخص ما.

لعلَّ مصيبتي كانت أن تهون لو لم يكن ذلك الشخص هو نفسه صديقي الذي كنت أذاكر معه! بل اكتشفت أنه كان يأخذ مجهودي الدراسي ليعطيها إياه، حتى بيت الشعر أخذه وأهداها إياها.. وأنا.. لا شيء!

بدأتُ منذ ذلك اليوم أُشاهد فيلم "غزل البنات"، ولكن، علَّ هناك سببا آخر غير الحب.

حظّي في الحب

لا أعلم لماذا حظي في الحُب حظ ضحية، حظ دور ثانٍ؟

فالمرة الثانية التي أحببت فيها كانت امرأة تكبرني في العمر، بالإضافة إلى أنها مشهورة وغنية.. لكنها ملكت بجمالها وكلامها تلافيف روحي، فصرتُ -ومع الأسف- أسيرَ هواها، رغم أنها في السماء وأنا في الأرض، لكن الحب لا يُفرق، هنا تذكرت فيلم "غزل البنات"، حين بدأ عبد الوهاب يدندن بصوته الشادي قائلًا:

لقيتك في السما عالي، وأنا في الأرض مش طايلك

حضنت الشكوى في قلبي، وفطمت الروح على أملك

أغنية تُعبر عن حال بائسة مثلي، يُمرضه قلبه ويُتعبه كل مرة يدق فيها.

لكن، هل الحب هو السبب الوحيد وراء مشاهدتي لذلك الفيلم؟ فقط لأنني أرى نفسي مثلما يقول العظيم "يوسف بك وهبي" في الفيلم: "مسكين.. الضحية!"، يناسبني دور الضحية المسكين، الذي يخوض غمار الحب بمفرده، فيعود بخفي حنين (إن وجدهما)، ويعيش في أحلام يقظته دون أن يُشاركه أحد، ويظل مُنتظرًا لأي جديد يطرأ على حياته، فلا يأتي الجديد!

سبب آخر

أعلم أن هناك سببا آخر يجعلني مُتعلقًا بلقطات الفيلم القديم، انظر معي إلى ذلك المعلّم المهدور حقه في الحياة، البائس.. كم يُشبهنا! لم تبتسم له الحياة ولا لمرة واحدة، وحين ابتسمت كانت ابتسامة ليلى مُراد وصوتها الجميل وإحساسها الرقيق الذي سلب كيان الأستاذ "حمام".

وحين حاول الهروب بها من الكباريه ومن شر "أنور"، دخلا إلى بيت العظيم الشامخ فارع الطول "يوسف بك وهبي"، الذي لا يسعك حين تراه وتسمع صوته الرخيم إلا وتأخذك الجلالة وتقول: "يوسف وهبي.. يا للهول!". وحين يشرح لهما قصة روايته الجديدة، مُتحدثًا عن معاني الحب، وأن أساسه يكمن في "التضحية" مرددًا قول شاعر غير معروف:

وكل مُرادي أن تكونَ هنيئةً .. ولو أنني ضحيتُ نورَ حياتي

تشعر بأنه يُخاطبك أنت.. نعم، أنت المسكين الأناني في حبه!

وفجأة تبدأ الموسيقى في الارتفاع، فيتجه الثلاثة صوب الباب المؤدي إلى قاعة الأوركسترا، حيث عبد الوهاب القائم يُحرك يده اليمنى لتستجيب الفرقة أولها عن آخرها معه، ثم يبدأ بالضرب على أوتاره الشجية:

ليه، ليه يا عين، ليلي طال؟

ليه، ليه يا عين، دمعي سال؟

سؤال مُحير.. آه أيها الليل، لماذا تُعذبني بالذكريات؟!

بدأت أشعر بالسبب الحقيقي، حين سرحت بين نظرات ليلى البريئة ودموع الريحاني الحقيقية، وصوت عبد الوهاب الندي، وصورة الملك الشهيد "فاروق" الماثلة في شموخ خلف الفرقة العازفة، أدركت حينها أنني لا أبكي حالي، وإنما أبكي زمانًا بحاله لم أُدركه، وليتني كنت من سعيدي الحظ الذين شهدوه.

سقى الله زمانًا كان الحب فيه دواء.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة