علي عزت بيغوفيتش والتمسك بالهوية

علي عزت بيغوفيتش.. رجل السجن والحرب والسلام في البلقان - من مواد الجزيرة الوثائقية
علي عزت بيغوفيتش (الجزيرة)
عبدالوهاب المسيريالدكتور عبد الوهاب المسيري (مواقع التواصل الإجتماعي)

يقول المفكر والفيلسوف المصري عبد الوهاب المسيري "إن الهوية هي حلبة الصراع الحقيقية بيننا وبين العدو"، وهذه العبارة لم يفهمها بعمق وبإدراك إلا المناضل علي عزت بيغوفيتش الذي حلّت ذكرى وفاته منذ عدة أيام، فلقد تبنى قضية الهوية والحفاظ عليها في وجه ضربات الشيوعية العلمانية الإلغائية التي كادت أن تنهي أثار المسلمين هناك.

وإذا كان كتاب مراد هوفمان "الإسلام كبديل" قد هز ألمانيا، فإن كتاب علي عزت بيغوفيتش "الإسلام بين الشرق والغرب" قد هز العالم، فهو كتاب يؤكد نظرية الهوية التي حافظت على كيان كان مهددا بالوجود. ولست هنا كي أتكلم عن نضال ذلك الرجل فهو غني عن التعريف وهناك العشرات من الكتب والمقالات التي تتكلم عنه بإسهاب، ولكن ما نريده هو شرح قضية الهوية التي كافح لأجلها للحفاظ على وجود شعبه وعلى الأرض والماضي العريق.

إن الحضارات لا تموت، إنما تنتحر، وهي من تقتل نفسها بنفسها، هذا تماما ما أدركه بيغوفيتش بلمحة تاريخية سريعة؛ فعندما تشكلت يوغوسلافيا وبعد أن انتصرت الشيوعية على النازية، دخلت رسميا أوروبا الشرقية تحت القبة الحديدية الشيوعية، وأصبحت البلاد تحت مظلة العلمانية المتطرفة التي حاربت بكل الطرق من أجل إلغاء الهوية الإسلامية عبر دكتاتورية البروليتاريا التي كرّست العلمانية الشاملة حتى أصبحت منهاج حياة. ومن هذا المنطلق بدأ بيغوفيتش وبعض المثقفين مقاومة الهوية الجديدة التي تحاول أن تطمس التنوع والتعددية عبر إلغاء الهوية التاريخية واللغوية وغيرها من مقومات ومزاي الهوية البوسنية، وبعد سقوط الاتحاد اليوغوسلافي إبان سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفياتي، دخلت البلاد في صداماتٍ دامية، ولكن تكريس الهوية وتدعيمها صمدت أمام المدافع والدبابات والصواريخ وصمت العالم الشرقي والغربي أمام المذابح التي حصدت مئات الآلاف من النساء والأطفال.

إن قضية الهوية قضية جوهرية بالنسبة للشعوب التي تتعرض للغزو الفكري والثقافي والعسكري كي تستطيع الصمود في وجه تلك الهجمة الإلغائية، ولا يمكن للأمة أن تواجه عدوها وهي قد تعرت من هويتها ومن تاريخها وثقافتها، فسوف تصبح بطبيعة الحالة أمة متعرية من لباسها، وستكون عرضة للتغيير الذي قد يكون متعدد الأوجه مثل اللغة وتشويه التاريخ وتحريف الحاضر، وهذا ما تعاني منه الأمة من نكران للهوية مما جعلها سهلة للاجتياح والعزو الفكري والثقافي، ورغم أن الأمة عجزت عن اللحاق بالركب الحضاري والتقدم العلمي والإنساني، ورغم ضعفها واهتزاز كيانها؛ فإنها لم تسقط، ولكن عندما بدأت تتخلى تدريجيا عن تقاليدها وتاريخها ولغتها وعادات شعوبها؛ كانت هنا نقطة التحول في ميدان المعركة الحضارية، فكما نعلم عندما سقط الاتحاد السوفياتي تنبأ صامويل هنتنغتون في كتابه "صراع الحضارات" أن المعركة القادمة هي بين الرأسمالية والشرق أي الإسلام، ولكن ليس الإسلام الأيديولوجي؛ إنما هويته المترسخة، ولا بد من خلع تلك الهوية حتى يرضخ في نهاية المطاف إلى دخوله العالم الرأسمالي بشكل نهائي ويصبح العالم الإسلامي كله عالم مستهلك للمنتجات الغربية.