لماذا كان نور الدين زنكي عظيما؟

blogs نور الدين زنكي
كان شعار نور الدين "حرامٌ على كلِّ من صحبني ألا يرفع إلي قصة مظلوم لا يستطيع الوصول إليَّ" (مواقع التواصل)

إن من أهداف الحكم الإسلامي الحرصَ على إقامة قواعد النظام الإسلامي التي تسهم في إقامة المجتمع المسلم، ومن أهم هذه القواعد العدل، قال تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ (النحل: 90). وأمرُ الله بفعلٍ -كما هو معلوم- يقتضي وجوبه، وقال تعالى﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا الۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُوا بِٱلۡعَدۡلِ﴾ (النساء: 58).

وقال تعالى ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا﴾ (النساء: 135)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أشد الناس يوم القيامة عذابًا إمام جائر". والعدل أساس الحكم، وإقامته بين الناس في الدين الإسلامي يُعدُّ من أقدس الواجبات، وأهمِّها، واجتمعت الأمة على وجوب العدل.

ولقد كان نور الدين محمود زنكي قدوة في عدله؛ أسر القلوب، وبهر العقول، فقد كانت سياسته تقوم على العدل الشامل بين الناس، ونجح في ذلك على صعيد الواقع والتطبيق نجاحًا منقطع النظير، حتى اقترن اسمه بالعدل، وسمي "الملك العادل"، وكان من أسباب نصر الله لهذا الملك العادل على الباطنية والصليبيين إقامته للعدل في الرعية، وإيصال الحقوق إلى أهلها؛ فالعدل في الرعية وإنصاف المظلوم يبعثان في الأمة العزة والكرامة، ويولدان جيلا محاربًا، وأمةً تحرر إرادتها بدفع الظلم عنها، ورعيةً تحب حكَّامها وتطيعهم؛ لأنهم أقاموا العدل على أنفسهم، وأقاموا العدل على غيرهم.

وأما الظلم فهو ظلمات في الدنيا والآخرة، وهو يؤذن بزوال الدول، وقد حرّم الله الظلم على نفسه؛ فقد قال في الحديث القدسي "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا". وقال تعالى ﴿ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ﴾ (الصافات: 22) وقال تعالى ﴿فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ﴾ (النمل: 52).

وقد سجَّل التاريخ أن نور الدين محمود ساد العدل في دولته، وتمَّ إيصال حقوق الناس إليهم، فنشطوا في الجهاد، والدفاع عن دينهم، وعقيدتهم، وأوطانهم، وأعراضهم. ومن أبرز أعماله الإصلاحية والتجديدية إقامته العدل في دولته.

وقد أولى نور الدين المؤسسة القضائية اهتمامًا كبيرًا، وجعلها في قمة أجهزته الإدارية، وخوَّل القضاة على اختلاف درجاتهم في سلَّم المناصب القضائية صلاحيات واسعة -إن لم نقل مطلقةـ ومنحهم استقلالًا تامًّا، لكونهم الأداة التنفيذية لإقرار مبادئ الحق والعدل، وتحويل قيم الشريعة ومبادئها إلى واقع ملتزم، وتوِّجت جهوده بإنشاء دار العدل، التي كانت بمثابة محكمة عليا لمحاسبة كبار الموظفين، وإرغامهم على سلوك المحجة البيضاء، أو طردهم واستبدالهم بغيرهم إن اقتضى الأمر.

وكان شعاره ما أكده لأصحابه مرارًا "حرامٌ على كلِّ من صحبني ألا يرفع إلي قصة مظلوم لا يستطيع الوصول إليَّ". ويحكي خادمه شاذبخت الطواشي الهندي -الذي كان أحد نوابه في حلب- هذه الحادثة، ذات الدلالة الواضحة في هذا المجال: "كنت يومًا أنا ورجلٌ واقفين على رأس نور الدين، وقد صلى المغرب وجلس، وهو يفكِّرُ فكرًا عظيمًا، وجعل ينكش بإصبعه الأرض، فعجبنا من فكره، وقلنا: في أي شيء يفكر؟ في عائلته؟ أو في وفاء دينه؟ وكأنه فَطِنَ بنا، فرفع رأسه، وقال: ما تقولان؟ فأجبناه بعد تردُّد. فقال: والله، إني أفكر في والٍ وليته أمور المسلمين، فلم يعدل فيهم، أو فيمن يظلم المسلمين من أصحابي، وأعواني، وأخاف المطالبة بذلك أمام الله، فبالله عليكم… وإلا فخبزي عليكم حرام، لا تريان قصة مظلوم لا ترفع إليَّ، أو تعلمان مظلمةً إلا وأعلماني بها، وارفعاها إلي".

ووصف ابن الأثير نور الدين بأنه "كان يتحرَّى العدل، وينصف المظلوم من الظالم كائنًا من كان، القوي والضعيف عنده في الحقِّ سواء، فكان يسمع شكوى المظلوم، ويتولى كشف ذلك بنفسه، ولا يَكِل ذلك إلى حاجب ولا أمير، فلا جرم إن سار ذكره في شرق الأرض وغربها".

دار العدل أو المحكمة العليا

كانت قمة إجراءاته القضائية إنشاءه دارًا في دمشق لكشف المظالم سمَّاها "دار العدل"، وكانت أشبه بمحكمة عليا لمحاسبة كبار الموظفين، ثم عُمِّمَتْ صلاحياتها، فامتدت أقضيتها إلى سائر أبناء الأمة، وجاء إنشاؤها بسبب تزايد عددٍ من كبار الأمراء في دمشق، خاصة أسد الدين شيركوه، وتماديهم في اقتناء الأملاك، وتجاوز بعضهم حقوق البعض الآخر، فكثرت الشكوى إلى قاضي القضاة كمال الدين الشهرزوري، فأنصف بعضهم من بعض، لكنه لم يقدر على الإنصاف من شيركوه، فأنهى الحال إلى نور الدين، فأصدر أمره حينئذٍ ببناء دار العدل.

يقول ابن الأثير "فلما سمع شيركوه ذلك، أحضر نوابه جميعهم، وقال لهم: اعلموا أنَّ نور الدين ما أمر ببناء هذه الدار إلا بسببي وحدي، وإلا فمن هو الذي يمتنع على كمال الدين؟ والله لئن حضرت إلى دار العدل بسبب أحدكم لأصلبنّه، فامضوا إلى كلِّ من بينكم وبينه منازع في ملكٍ، وافْصِلوا الحال معه، وأرضوه بأي شيء أمكن، ولو أتى على جميع ما بيدي. فقالوا له: إن الناس إذا علموا هذا اشتطوا في الطلب. فقال: خروج أملاكي من يدي أسهل عندي من أن يراني نور الدين بعينٍ أني ظالمٌ، أو يساوي بيني وبين أحد العامة في الحكومة (أي: القضاء). فخرج أصحابه من عنده وفعلوا ما أمرهم، وأرضوا خصماءهم، وأشهدوا عليهم.

وأما النصارى المتواجدون في دولة نور الدين، فإنهم لم يمسُّوا بأذى -رغم ظروف الصراع الإِسلامي الصليبي- وعوملوا كمواطنين لهم حق الرعاية الكاملة، ولم يُعْرَف عنه أنه هدم في حياته كنيسة، ولا آذى قسًّا أو راهبًا، وكان الصليبيون إذا دخلوا بلدا قتلوا جلَّ أهله المسلمين ولو أنه تأثر بذلك وعاملهم بالمثل؛ لقام له في ذلك عذر، ولكنه كان إنسانًا عظيمًا، لا يقيس نفسه بأولئك الجفاة الذين أساؤوا حتى إلى نصارى البلاد، فظلت الكنائس في بلاده عامرةً بأهلها، بل إن الصليبيين كانوا إذا خرجوا من بلد تنفَّس نصاراه الصعداء وأمنوا إلى عدله وإنصافه.

استجابته للقضاء

طُلِبَ مرة من قبل أحد المدعين، فما كان من أحد كبار موظفيه إلا أن دخل عليه ضاحكا، وقال مستهزئا: يقوم المولى إلى مجلس الحكم، فأنكر نور الدين على الرجل سخريته، وقال: تستهزئ لطلبي إلى مجلس الحكم؟ وأردف: يُحْضَرُ فرسي؛ حتى نركب إليه، السمع والطاعة، قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا﴾ (النور: 51).

ثم نهض وركب؛ حتى دخل باب المدينة، واستدعى أحد أصحابه وقال له: امضِ إلى القاضي، وسلِّم عليه، وقل له: إني جئت هاهنا امتثالاً لأمر الشرع.

ويوما كان يلعب الكرة -هوايته المفضلة- في دمشق، فرأى رجلًا من أتباعه يحدِّثُ آخر، ويومئ بيده إليه، فأرسل إليه يسأله عن حاله، فأعلمه: أن له على نور الدين خصومة حول بعض الأملاك، وطلب حضوره إلى مجلس القضاء للفصل في المسألة، فتردد الغلام في عرض الموضوع على نور الدين، ولكن هذا ألح عليه، فلما تبين له الأمر ألقى العصا من يده، وخرج من الميدان، وسار إلى القاضي، كمال الدين، وقال له: إنني قد جئت محاكَمًا، فاسلك معي ما تسلكه مع غيري، فلما حضر المدعي ساوى كمال الدين بينه وبين خصمه، وحين لم يثبت ضدَّه شيء قال للقاضي ولكافة الحضور: هل ثبت له عندي حق؟ قالوا: لا. فقال: اشهدوا أنني قد وهبت له هذا المال الذي حاكمني عليه، وقد كنت أعلم أنه لا حق له عندي، وإنما حضرت لئلا يظنَّ أنني ظلمته، فحيثما ظهر أنَّ الحق لي وهبته إياه.

وتلك غاية العدل والإنصاف، بل غاية الإحسان، وهي درجة وراء العدل، فرحم الله هذه النفس الذكية الطاهرة المنقادة إلى الحق، الواقفة معه، كما علَّق ابن الأثير.

وفي عام 558هـ 1162م ادَّعى رجل على نور الدين أنّ أباه (زنكي) أخذ من ماله شيئًا بغير حق، وأنه يطالب بذلك. فقال نور الدين: أنا لا أعلم شيئًا عن ذلك، فإن كان لك بَيِّنَةٌ تشهد بذلك فهاتها، وأنا أرد إليك ما يخصني، فإني ما ورثت جميع ماله، فقد كان هناك ورثة غيري، فمضى الرجل ليحضر البينة.

لا عقوبة على الظنة والتهمة

لم يكن نور الدين يصدر العقوبة على الظنة والتهمة، بل يطلب الشهود على المتهم، فإن قامت عليه البينة الشرعية عاقبه العقوبة العادلة من غير تعدٍّ، فدفع الله بهذا الفعل عن الناس من الشر ما يوجد في غير ولايته مع شدة السياسة، والمبالغة في العقوبة، والأخذ بالظنة، وأمنت بلاده مع سعتها، وقلَّ المفسدون ببركة العدل، واتِّباع الشرع المطهر.

من عدله بعد موته

ومن عدله أيضا بعد موته، وهو من أعجب ما يحكى "أنَّ إنسانًا كان بدمشق، استوطنها، وأقام بها لما رأى من عدل نور الدين -رحمه الله- فلّما توفي تعدَّى بعض الجنود على هذا الرجل فشكاه، فلم يُنصف، فنزل من القلعة وهو يستغيث، ويبكي، وقد شق ثوبه وهو يقول: يا نور الدين، لو رأيتنا وما نحن فيه من الظلم؛ لرحمتنا، أين عدلك؟ وقصد تربة نور الدين، ومعه من الخلق ما لا يحصى، وكلّهم يبكون، ويصيحون، فوصل الخبر إلى صلاح الدين، وقيل له: احفظ البلد والرعية وإلا خرج عن يدك، فأرسل إلى ذلك -وهو عند تربة نور الدين يبكي والناس معه- فطيب قلبه، ووهبه شيئًا، وأنصفه، فبكى أشد من الأول، فقال له صلاح الدين: لم تبكي؟ قال: أبكي على سلطان عدلٍ فينا بعد موته، فقال صلاح الدين: هذا هو الحق، وكل ما نحن فيه من عدل فمنه تعلَّمناه".

رقبتي دقيقة

قال ابن الأثير "وحكى لي من أثق به أنَّه دخل يومًا إلى خزانة المال، فرأى فيها مالاً أنكره، فسأل عنه؟ فقيل: إن القاضي كمال الدين أرسله، وهو من جهة كذا. فقال: إن هذا المال ليس لنا، ولا لبيت المال في هذه الجهة شيء، وأمر برده وإعادته إلى كمال الدين، فردَّه إلى الخزانة، وقال: إذا سألكم الملك العادل عنه فقولوا له عنِّي: إنه له. فدخل نور الدين الخزانة مرّة أخرى، فرآه، فأنكر على النُّواب، وقال: ألم أقل لكم يعاد هذا المال إلى أصحابه، فذكروا له قول كمال الدين، فردَّه إليه وقال للرسول: قل لكمال الدين: أنت تقدر على حمل هذا المال، وأما أنا فرقبتي دقيقة لا أطيق حملها، والمخاصمة عليها بين يدي الله تعالى! يُعاد قولا واحدًا.

مراجع البحث

  • علي محمد الصلابي، الدولة الزنكية، دار المعرفة، بيروت، 2007، ص 202-206.
  • أبو شامة شهاب الدين المقدسي، عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، سوريا (1-364).
  • أبو فارس، دروس وتأملات في الحروب الصليبية، دار جهينة، الأردن – عمان، الطبعة الأولى 1422هـ 2002 م، ص 205.
  • عماد الدين خليل، نور الدين محمود، الرجل التجربة، دار القلم، 1400هـ 1980 م ص 88.


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة