الشمائل المحمدية وسياسة البشر

blogs الرسول
السياسة النبوية فتحت الباب للعديد من الشخصيات لتسلّم الأدوار داخل اللقاءات ولنيل النجومية التي لا يحرص كل القادة على منحها لمريديهم (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

توضح الشمائل النبوية معالم النبوة، وتكشف منهاجا ساميا عظيما في إدارة الحياة، ومن ذلك طريقة تقديم النبي صلى الله عليه وسلم للشخصيات ومنحها فرصة الحضور والمشاركة، فقد كان من الشمائل النبوية الملهمة لذوي الزعامة والمنصب والمكانة ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من القرب جدا من روّاد مجلسه والمجتمِعين في حضرته الشريفة والملتَقين معه بشكل عام، حيث يجعلهم في مكانة يكُونون بها قطبَ رحى بين الحضور، ورغم أن الجميع هم تابعون له ومسلّمون بأن زمام كل حق ومنتهى كل علم وكل حسم لديه صلى الله عليه وسلم وأنهم في كنَفه واردون وعلى ضفاف حياضه نازلون، وأنهم لا وزن لهم إلا بالصلة به، ولا إضافة لديهم لما عند النبي الكريم، فإنه عليه الصلاة والسلام يفسح لهم في المقدمة، ويبوّئهم الدرجات ويوفر لهم المناسبات حظوة لهم، وللفت الأنظار إليهم وتمكينهم من جذب الأضواء.

وعبْر هذه الميزة فتحت السياسة النبوية الباب للعديد من الشخصيات لتسلّم الأدوار داخل اللقاءات ولنيل النجومية التي لا يحرص كل القادة على منحها لمريديهم، بل قد يشكّلون حائط عثرة دون ذلك، وهو عكس المنهج النبوي المتمثل في الخصال العظيمة التي أدار بها الرسول صلى الله عليه وسلم الحياة العامة والعلاقة بالجميع نبيا وقائدا للأمة وللناس، فكان يمهد الطريق أمام الشخصيات بما يصنع الترويج لها ويعزز الاهتمام بها ويبرز قيمة خاصة من القيم المرتبطة بالاجتماع العام، والمندرجة في النظم المثلى التي تؤطر أرقى المجالس واللقاءات، وإذا كانت الضوابط الخاصة بلقاءات الشخصيات الرسمية تحدّ من مستوى تَصدّر الحاضرين، فإن تلك الضوابط في المنهاج النبوي شديدة الاحتفاء بالحضور، وعنصر أساسي في إشراكهم، ونتيجة لما يمثله هذا البعد في السياسة النبوية، يدعو النبي صلى الله عليه وسلم صحابيا معينا من بين الصحابة للمشاركة، وتعبّر هذه الاختيارات النبوية للشخصيات عن الأبعاد الاجتماعية والدلالات الثقافية والحضارية التي تفرزها القيم النبوية، وبذلك كانت الملامح والمعالم الخاصة باللقاءات المنعقدة في حضرة الرسول عليه الصلاة والسلام محورا أساسيا في بناء قواعد العلاقات العامة الرائدة ونُظم الخصائص المحققة لأفضل أنماط الإدارة الاجتماعية.

ولهذا نقرأ عند ابن سعد في الطبقات، عن ابن سيرين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وهم في سفر: «أين حسان بن ثابت؟»، فقال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: «خذ». فجعل ينشده ويصغي إليه، حتى فرغ من نشيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لهذا أشد عليهم من وقع النبل».

حفاوة عظيمة يشمل بها الرسول الكريم شخصيات الصحابة، وتجِد التخصصاتُ والمجالات المختلفة مواقعَها في ظلالها، والأدب مكرم الجناب بين هذه المجالات عند النبي صلى الله عليه وسلم، لتقديره للأدب كما يولي عليه الصلاة والسلام شعراءه مكانة خاصة، وما رواه ابن سعد آنفًا أحد تجلياتها، حيث يجد حسان رضي الله عنه نفسَه في هذا الموقع الشريف محاطا باهتمام خاص من النبي الأكرم ومقدّرًا هذا التقدير الذي في إطاره تلقّى هذه الدعوة وليكون واجهة ضمن هذا الموكب الرفيع، ثم يُختمُ ذلك خير ختام حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم لحسان: «لَهذا أشد عليهم من وقع النبل» فماذا عساه أن يزهو به أكثر من هذا؟ كما أن في الأمر تتويجا للأدب وتوضيحا لمكانته ضمن الأُطر والنظم الخاصة بالاجتماع العام وبرامج فعالياته وفقرات وقته.

والمنهاج الذي يجسّد السيرة النبوية يصوّر لنا الشمائل المحمدية العظيمة وأثرها في مجال العلاقات العامة، ونطالع ضمن ذلك مختلف أنواع الإكرام للشخصيات والاحتفاء بها كمثل ما وقع لقيس بن عاصم التميمي في ضيافته عند النبي عليه الصلاة والسلام فقد منحه لقبا تكريميا خالدا في الزمان حين سماه "سيد أهل الوبر"، ولما كان قيس ممجدا وممدحا تحفل سيرته بتاريخ متشعّب من الصيت لمّ له النبي صلى الله عليه وسلم شمل كل ذلك في عنوان تسمية نبوية جليلة "سيد أهل الوبر" -وفق ما رُوي في الحديث-  فآب بها عائدا بهذا التكريم، وهو التقديم المعْلي لشأن الشخصيات، الذي يعدّ سنة نبوية خالصة، تهتم بالزعامات وذوي الرتبة والمروءات فلا يجدون لدى الرسول صلى الله عليه وسلم إلا مزيد الإعانة لهم على استمرار مكانتهم وإعلائها عزا وفخارا.