الأحزاب الكندية.. إما التحالف أو الانسداد السياسي

الانتخابات التشريعية في كندا
الانتخابات التشريعية في كندا (الجزيرة)

بعد نتائج الانتخابات الفدرالية عام 2019 وفوز الحزب الليبرالي ببرلمان أقلية، ألقى رئيس الوزراء ورئيس الحزب الليبرالي "جاستن ترودو" يومها خطابا بدا فيه منهزما. حيث صرح حينها "لقد طرح الكنديون الكثير من القضايا، وسأخصص الوقت اللازم للتفكير حقا في أفضل السبل لخدمة الكنديين، وكيفية العمل مع الأطراف الأخرى".

وبعد مضي سنتين من تلك الانتخابات وإجراء انتخابات جديدة في 20 سبتمبر/أيلول 2021) أنتجت نفس تشكيلة البرلمان (فوز الليبراليين ببرلمان أقلية، يفرض عليهم التحالف مع أحزاب أخرى)؛ خرج "ترودو" بخطاب مختلف هذه المرة، خطاب مليء بنشوة الانتصار، قال فيه "أعتقد أنه من الواضح جدا من المناقشات التي دارت خلال هذه الانتخابات، ومن التفويض الذي منحنا إياه الكنديون، أنه يجب علينا العمل بشكل أقوى وأسرع، أنا متحمس حقا لكل الأشياء التي نريد العمل عليها كبرلمان وحكومة في السنوات القادمة". ويؤكد هذا التحول في نبرة رئيس الوزراء تغير المعطيات في السياسة الكندية، وضرورة التحالفات كأمر واقع جديد.

ويرى كثيرون أن نتائج الانتخابات الأخيرة لا يجب أن تفهم كانتصار لليبراليين، خاصة أنهم هم من قرروا موعد الانتخابات، لتأتي النتيجة في نهاية المطاف بنفس ما آلت إليه الانتخابات السابقة.

وفي دراسة استقصائية أدتها شركة "ليجير" (Leger) الكندية المختصة بتحليل البيانات، استنتجت بأن واحدا من 10 كنديين فقط كانوا راضين عن نتائج الانتخابات الفدرالية، ويعود هذا إلى تزامن الانتخابات مع أزمة كوفيد-19، بالإضافة إلى نتائجها التي لم تغير شيئا كثيرا في العملية السياسية. وانتقد آخرون إنفاق الحكومة في هذه الانتخابات، حيث ارتفع المبلغ إلى 610 ملايين دولار كندي، وهو رقم يفوق بـ100 مليون دولار ميزانية الانتخابات الماضية.

وبعد أن أدى كل هذا الإنفاق إلى تغيير طفيف من الناحية السياسية، تساءل كثيرون عما إذا كانت هذه الانتخابات تستحق كل هذه الأموال، وهل كان بالإمكان توجيه مئات الملايين من الدولارات من ميزانية الدولة (أي من مال دافعي الضرائب) في أمور ذات منفعة مباشرة للشعب الكندي. مما جعل كثيرا من الناس ينظرون إلى قرار "ترودو" بإجراء الانتخابات في هذا الوقت، على أنه قرار أناني وقصير النظر.

وبعد تصويت كندا لبرلمانها الجديد، جاءت ردود الأفعال مختلفة من حزب إلى آخر. وفي مخيم المحافظين، يرى المحللون أن شخصية رئيس الحزب "إيرين أوتول" كانت إحدى أسباب خسارة المحافظين، فهو وفق رأيهم يفتقد للكاريزما التي تمكن من إعادة تصدر الحزب للمشهد السياسي الكندي من جديد. في حين يرى البعض أن الحزب قد تخلى عن مبادئه المحافظة، وهو ما يقوله أنصار حزب الشعب الكندي الأكثر تطرفا. ويأتي هذا الانتقاد بعد دعم أطراف من حزب المحافظين لسياسات ترودو في رفع الضريبة على شركات النفط ومنع بيع 1500 نوع من السلاح الناري للأفراد، وزيادة الإنفاق الحكومي في العديد من القطاعات. وقالت "جيني بيرن" -مديرة حملة زعيم المحافظين السابق ورئيس الوزراء السابق "ستيفن هاربر"- إن رئيس المحافظين الحالي "إيرين أوتول" " نأى بنفسه عن كونه محافظا".

وجاء "الحزب الديمقراطي الجديد" -وهو الحزب الذي يمثل اليسار السياسي في كندا- بالمرتبة الرابعة، بعد الليبراليين والمحافظين والكتلة الكيبيكية (حزب انفصالي يُطالب باستقلال محافظة كيبيك عن بقية كندا). وتقول المشرفة الوطنية للحزب "آن مكغراث" -في مقابلة مع قناة "سي بي سي" (CBC) الإخبارية- "أشعر بخيبة أمل لأننا لم ننتخب المزيد من النواب… وأننا لم نزد من حجم تجمعنا بشكل كبير". وأضافت مكغراث "كان جزء من سبب إجراء الانتخابات في هذا الوقت هو الإبقاء على نسبة المشاركة منخفضة من أجل إعادة انتخاب الحكومة الحالية".

كلام "مكغراث" تؤكده أرقام الانتخابات أيضا، فوفق سلطة الانتخابات الرسمية، وصلت نسبة المشاركة في الانتخابات إلى 62%، وقد يبدو هذا الرقم جيدا، ولكنه يبقى أقل من انتخابات 2015 التي بلغت فيها النسبة 68% وانتخابات 2019 التي وصلت فيها أرقام المشاركة إلى 67%.

وعلى إثر الانتخابات الأخيرة، استقالت "أنامي بول" رئيسة الحزب الأخضر المهتم بقضايا البيئة، وذلك بعد فشل حزبها في تنمية حضوره في مجلس العموم، حيث تراجعت حصته بالتصويت الشعبي، فبلغ عدد المقاعد التي حصل عليها مقعدين فقط.

وبعد خطاب "جاستن ترودو" الواثق بعد الانتخابات، يبدو كأنه أصبح لدى حزب الليبراليين خطة في التعامل مع الأحزاب الأخرى، بعد سنتين من تجربته في رئاسة الحكومة بوجود برلمان أقلية. ونتائج حزبي "الديمقراطيين الجدد" (25 مقعدا) و"الخضر" (مقعدان) هذه المرة، يمنح للحزب الليبرالي مساحة ونفوذا كبيرين أثناء التفاوض، وفرض سياساته. لكن السؤال يبقى حول ما إذا كانت الأحزاب الأخرى مستعدة للتحالف، أم أنها تفضل عرقلة حكم الليبراليين هذه المرة، والبدء من جديد في انتخابات أخرى قد يدعو إليها رئيس الوزراء في أي وقت أراد بحكم الضرورة والانسداد السياسي.

وفي المشهد السياسي الكندي الحالي، يعيش الحزب الليبرالي تفاؤلا قد يبدو للبعض غير مبرر بعد الفوز بـ157 مقعدا من أصل 338، في حين يعيش حزب المحافظين واليمين السياسي بشكل عام نقاشا حقيقيا حول ماهية توجهات الحزب مستقبلا، والسياسات التي من الممكن أن تعيده للحكم. وفي اليسار، يواجه "الحزب الديمقراطي الجديد" فترة ركود، فقد أكدت الانتخابات الأخيرة أن شعبية الحزب بقيت ثابتة دون زيادة، بالرغم من انخفاض شعبية حزب الليبراليين قليلا، وهو ما يعتبره كثيرون تضييعا لفرصة حقيقية في اكتساب قاعدة شعبية أكبر.

إن هذه التغيرات والتباينات من شأنها إعادة هيكلة الساحة السياسية الكندية، وتحديد مآلات الحكومة الجديدة وتركيبتها، وتوضح أيضا معالم مستقبل السياسة الكندية بشكل عام.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة