هل أهدى نيسوس رداءه للإسلامويين؟

يختتم حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي مزاعم "مسيرة إصلاح وطني" بعد 10 سنوات من انتفاضة الريف عام 2011 (الجزيرة)

أفرزت نتائج الانتخابات الأخيرة في المغرب عن نتائج مدوية، أُسقِط من خلالها الحزب الحاكم في الرباط بقيادة العثماني، ليختتم حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي مزاعم "مسيرة إصلاح وطني"، والذهاب نحو دولة ديمقراطية مرجعيتها الشعب بمقوماته وتنوعاته ومؤسساته.

فهل حقا اختتم "الإسلام السياسي" صفحة مشرقة من نضاله الأسطوري بطي "الحلم العربي" الداعي لتأسيس نظام حكم قائم على العدالة والمساوة؟ أم أنّ الربيع العربي بانتفاضاته السّلمية وحروبه الأهلية كشف زيف الأيديولوجيات المناوئة للاستبداد والطغيان، وهل أفضى التمسك بـ "أسلمة القضايا الإنسانية" وتحويرها وفق "الأجندة الحركية" لانفصال التيارات الدينية عن رهانات الدولة، وجعلها محل استهداف من أجهزتها الإدارية والأمنية؟

الإسلامويون.. من حُلم الخلافة إلى كرسي الطّاعة

ارتبط مفهوم الإسلام السياسي بالفترة الممتدة بعد رحيل الاستعمار عن المنطقة العربية، ليترك خلفه تركة استعمارية لمجتمعات بالكاد استعادت هويتها وثقافتها المسلوبة، فكان شعار "العربية لغتنا والإسلام ديننا" أحد أهم المظاهر التي عبّرت بها شعوب ما قبل الاستقلال عن رفضها للمستعمِر وسياساته الاستيطانية الاستئصالية، وحينما استعادت بلدانهم استقلالها تعالت رايات الزعامات الثورية حدود الممالك والجمهوريات، متغافلة عن بناء دولة ذات "مرجعية وطنية" تكفل لشعبها تكوينه الاجتماعي الحضاري، وسرعان ما تبدد حلم الدولة الوطنية بمؤسساتها الدستورية والقانونية، التي تفرض العدالة والمساواة بين الأفراد والجماعات، ليتحول العمل على لملمة جراح حروب التحرير وما خلّفه الاستعمار إلى صراع على رداء السلطة بين رفاق الثورة.

قاد العسكر انقلابات كثيرة تحت شعار حماية "الثورة ومكتسباتها" ممن وصفهم باللاوطنيين، مستفردا بحكم الدولة تحت مسميات دكتاتورية تضاربت مشاريعها بين القومية (مصر) والإسلامية (إيران) لم يتمكن بأي منها إخراج الدولة من أزماتها المتلاحقة، فالناصريون، البعثيون، حشد المماليك البترودولار، انبروا للاستيلاء على الثروة باسم الثورة، من دون أن يقدموا لشعوبهم أدنى مستويات العيش الإنساني بعد الاستقلال، بل باتوا عبئا تاريخيا وحضاريا على مستقبل الشعوب وتطور الدولة.

ومن السجون التي ملأها الانقلابيون تخرج جيل من الحركة الإسلامية يرى أنّ النضال الوطني لا يختلف كليا عن حلم الأمة باستعادة الخلافة، وتحرير أرضها من الغاصبين، لترتسم معالم طريق تحرري بترسيخ أبجديات الحركة وأصولها، فكان الإسلام عنوانا لنضالها وفلسطين شعارها والخلافة الراشدة أملها، وعلى تلك الأسس تمايز المشروع الوطني في دولة الرفاه عن تطلعات الحركة في توحيد الأمة، واستولت الطموحات الجامحة في تحقيق "الولاء الحركي" العابر للجغرافيا، على رهانات الواقع المعيشي المتردي لشعوب أنهكتها الصراعات.

واستمر العمل على توحيد صفوف الإسلامويين مع كل استحقاق انتخابي أمرا بالغ التعقيد بسبب تغلغل الأجهزة الأمنية داخل الحركة الإسلامية، لتتقدم في ركب العمل السياسي الوطني جماعة الإخوان المسلمين عن تيارات دينية كالسروريين، والمدخليين المحسوبين على "السّلفية البورجوازية" التي لا تخفي مغالاتها في "موالاتها المطلقة" للدكتاتوريات، والتي حوّلت صراع الشعوب مع المستبد والمطالبة بحقوقها المشروعة، إلى تزهيدها في حياة تليق بها ضمن تقسيم عادل للثروة، والانصياع الكلي لولي الأمر.

وفي سابقة تاريخية نجحت الجبهة الإسلامية القومية في تحريك الجيش السّوداني للقيام بانقلاب على نظام الحكم، وبعدها بسنوات فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية بانتخابات عام 1992 معلنة جاهزيتها للحكم وفق الشريعة الإسلامية، لم تدم فرحة الإسلامويين بتوليهم السّلطة مدة طويلة، فقد كان على من حاز السّلطة أن ينشر الرعب والخوف بين شعبه، وألا يمنح السّلام والأمن لمجتمعه ودولته، وهذا كان مرتع الدكتاتوريات العربية، ليسارع الغرب في إخماد فتيل الديمقراطية بالمنطقة مُلبسا أتباعها رداء الخديعة والظلم، للزج بزعماء التيارات الإصلاحية في السّجون، ولتفتح أقاليم الجحيم بالحروب الأهلية والإرهاب على دولهم.

ومع موجة الربيع العربي التي فضحت أكذوبة التغني بالوطنية وصورها التاريخية المستلبة للإرادة الشعبية، استعاد الإسلامويون زمام المبادرة ليترأسوا حكومات بلدانهم، ظنا منهم أنّ إهداءهم "رداء نيسوس" فسح المجال لبعث حياة ديمقراطية في مؤسسات الدولة، وما لم يكن في حسبان الجيل الذي أنهكته السّجون والمنافي، وقلّمته حركة الشعوب والتاريخ، أنّ الخطابات القديمة المشحونة بالتعبئة والنفير، لم تكن جاهزة لاستيعاب "اللحظة التاريخية" حينما كسرت الشعوب أسطورة الخوف، وافتقدت "للمسؤولية الأخلاقية" تجاه مكونات الوطن الواحد، والمصير المشترك للأمة، وقضايا الإنسانية العادلة.

استطاعت الحركة الإسلامية التغلغل ضمن الجماهير والوصول للحكم بسرعة مريبة، شابها الكثير من الشكوك والمخاوف حول مقدرتها على التصدي للأزمات السياسية والاقتصادية وتراكماتها التاريخية والاجتماعية، لينجلي بعد عقد من الربيع العربي حقيقة ما تبنته بعض الأحزاب الإسلامية من إستراتيجية لفصل عملها الحركي والدعوي عما هو سياسي، الأمر الذي دفعها للانجرار خلف المزالق الإدارية للدولة العميقة، وتوريطها بشكل متتابع في مآزق دستورية وخصومات قانونية، سارعت للتخلص من رموز تيار الإسلام السياسي بشكل عنيف، فمن لم تروضه التحالفات مع الصهيونية، زج به في السّجون أو قتل، ومن قدم التنازلات كان عليه أن يتجرع المهانة متلبّسا ديمقراطية نيسوس، ليضيع حلم الخلافة الراشدة مع مشاريع التطبيع والانبطاح.

عقبات الإصلاح السياسي للحركة.. الأيديولوجية أخيرا

في لقائه مع أحمد منصور عبر برنامج "شاهد على العصر" تحدث زعيم الحركة الإسلامية بالسودان حسن الترابي عن انقلاب يونيو/حزيران 1989 والأحداث التي أعقبت تولي المجلس العسكري الحكم بقيادة عمر البشير، قائلا: إنّ الحركة الإسلامية كانت مفتقدة لمشروع قيادي لمرحلة "ما بعد الانقلاب" حينما طلب منها تسيير مؤسسات الدولة التي نخرها الفساد طيلة عقود.

تصريحات الترابي كانت بمثابة امتداد مرحلة مهمة من تاريخ علاقة التيارات الإسلامية بفكرة الدولة، ومدى جاهزيتها لتولي الحكم مع ما تعتبره تحديات داخلية وخارجية وقفت حجر عثرة لبعث نهضة إسلامية شاملة، وما يمكن تلخيصه وفق النظرة التي اعتمدتها الحركات الدينية التي انبرت تحت العمل الديمقراطي كسبيل أوحد أو على ما يبدو الطريق الأسلم لبلوغ الحكم، هو مدى تقارب تجاربها السياسية مع اختلاف بيئتها الاجتماعية وتمايز المراحل التاريخية المنبثقة عنها.

كان العمل على حصر تصور "الإسلام السياسي" في حركة الإخوان المسلمين، أحد أهم المميزات التي مرت بالمنطقة العربية منذ انتفاضات عام 2011، وضمن إستراتيجية "الفوضى الخلاقة" للإدارة الأميركية تعالت خطابات تخوين الإسلام السياسي بقيادة تحالف عربي غربي للإطاحة بـ "الدولة" لا "النظام"، ولكن سرعان ما تلاشت تلك الادعاءات حينما أعلن عن فوز الإخوان المسلمين برئاسة مصر، حيث بدت الأمور تسير نحو "تمكين الجماعة" من الحكم وفقا لما ادّعاه وزير الاستخبارات السّعودي.

غير أنّ الأحداث العنيفة في فض الاعتصامات الشعبية كشفت حجم التكالب الإقليمي الدولي على وأد الديمقراطيات الناشئة، كما أنّها أثبتت "للعربي الذي أنهك الاستبداد" أنّ الإسلامويين لم يختلفوا في تصوراتهم للتغيير الديمقراطي عن تيارات أحزاب مناهضة له، تخلت هي الأخرى عن "ارتباطها الأيديولوجي" في سبيل تحقيق طموحات ذاتية، ضمن توليفة حكومية لمنظومة فاسدة حكمت لعقود من النهب.

ومن الأسباب التي جعلت الإسلام السياسي يشهد رجوعا نسبيا بواقعنا العربي، العوامل الداخلية لمنظومة الحكم والدولة التي حالت دون تحقيق "رؤية حضارية" فاعلة للواقع العربي، كما أنّ تمسك الرعيل الأول للحركة بما اعتبره "أحقية تاريخية" لتسيير تركة الجماعة، أدى إلى ضمور "الفعل المؤسساتي" للأحزاب المنبثقة عنها، وتبنّيها "القرارات الفردية" الإقصائية عن مبدأ المشورة، وإلى جانب تخليها عن ثوابتها ونضالها المرتبط بمصير الأمة، والتوجه نحو توطين العمل السياسي للإسلامويين وفق حدود كولونيالية لا تتوافق مع مرجعيات الحركات الداعمة للتصدي لمشاريع التفكيك والهيمنة الغربية، وقد ظهر ذلك جليا في التيارات "الإسلامية" بالمغرب العربي، حيث تخلت الأحزاب بامتدادها التاريخي عن مسايرة "التطور المؤسساتي للحركة" على حساب التخلص من "الالتزامات الأخلاقية والثورية" لقواعدها الشعبية، في المقابل قدمت جماعة الإخوان المصرية قياداتها الثورية ورموزها الحركية في الصفوف الأولى لثورة يناير المجيدة، مستعيدة بذلك مركزية الحركة الإسلامية وشعبيتها في الأمة العربية، بعدما تجنى الفرقاء والأقرباء عليها بالعمالة والانبطاح.

أما عن الأسباب الخارجية التي لم تترك للإسلام السياسي متنفسا لتجسيد مشروعه الحضاري، فقد تلخصت في "الجهاز الإداري" للدولة ومؤسساتها الفاسدة، حيث لم يكتب لأيّ استحقاق ديمقراطي عربي أن يستمر وفق تطلعات حضارية تمكن الشعب من المؤسسات الدستورية المنتخبة، فالغرب إله الحضارة ومستحدث التطور وصاحب القدرة على التدخل في أيّ بقعة من العالم، لا يبدو جاهزا لتقبل أيّ نهضة عربية إسلامية تهدد مصالحه الإمبريالية، وتجفف منابع سيطرة الحضارة الصناعية لإمبراطوريته، لذلك يسعى جاهدا لخلق نموذج إسلاموي باهت وفق نظرة "إصلاحية هشة" مميعة، كلاعب هامشي في حال سقوط أطرافه المستبدة، ضمن شروط استثنائية لا تضمن له سوى الانبطاح والعمالة، فهل يستطيع الإسلامويون التّخلي عن رداء نيسوس؟

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة