تونس تكتب فصلا جديدا في كتاب الأمل

الآلاف في تونس وصفاقس وغيرها من المحافظات تجمعوا ويتجمعون يوميا منذ قرارات قيس سعيّد الأخيرة (الجزيرة)

قرارات سعيّد كتبت شهادة وفاته

قرارات قيس سعيد التي جاءت بعد خطاب سيدي بوزيد المرتعش، كانت بمثابة شهادة وفاة للرجل، وهو ما لم يقرأه في خطاب اليوم السابق للقرارات. فعلى الرغم من أن الخطاب دُعي له ثلة منتقاة من أهالي سيدي بوزيد ومنع منه حتى مسؤولو البلديات، فإن كلمة سعيد التي ضربت يمينا وشمالا ووجهت سهامها لحركة النهضة وإن لم يسمها، لم تنتج أثرا إلا فيمن اتخذوا أماكنهم في تموضعات السلطة والثورة.

المدقق في هذه الكلمة يحسن أن يرى به رؤية ما حدث من هرج، إذ تدافعت الأصوات مؤيدة في بداية الكلمة، وذهبت في النهاية إلى الخفوت في ظل كلمات الهجاء المتتالية التي ألقاها من يقبع على قمة هرم السلطة في تونس، مما لم يسمعوه من الدكتاتور نفسه في مجده. لكن أمرا واحدا يمكن استنتاجه هو أن الرجل في أزمة حقيقية أراد أن يخرج منها بالهروب إلى الأمام، وهو ما اتخذه في قرارات مهد لها في سيدي بوزيد.

استمرار تعليق البرلمان، ورفع الحصانة عن النواب، وإعداد مشاريع تعديلات متعلقة بما يراه قيس سعيد إصلاحات سياسية يقوم عليها بنفسه، وخلال تلك الفترة تكون سلطة صياغة القوانين من اختصاص سعيد وحده ولا أحد غيره، لتعود تونس إلى زمن الرئيس المُلهَم الذي يوحى إليه من أبو ظبي، لتصبح مراسيمه الرئاسية ألواح موسى وعلى التونسيين أن يسمعوا ويطيعوا، وبالنتيجة استمرار تعليق العمل بالدستور الذي طالما انزعج سعيد منه ونعته بالنعوت، مستثنيا من ذلك مقدمة الدستور والبابين الأول والثاني منه وجميع الأحكام الدستورية التي لا تتعارض مع تدابيره الاستثنائية. وإمعانا في الانفراد بالسلطة والتفرد بتفسير مواد الدستور، ألغى الرجل الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين.

هكذا خرج علينا القابع في قرطاج بتدابير استثنائية حرق بها أغصان الزيتون، وقطع بسيفها الجسور التي حاولت أحزاب تونسية ودول وسيطة أن تمدها لإنهاء الأزمة التي وضع البلاد فيها بغواية دول إقليمية.

لم تكن قرارات قيس سعيد مفاجئة بالنسبة لأغلب المراقبين، فمنذ اللحظة الأولى لقرارات 25 يوليو/تموز الماضي، كشفت النية الحقيقية لسعيد ومن يقف وراءه. فمن ساءته ثورة الحرية في تونس، ومن ناهض من أجل وأد الثورة وكتابه الذي علم العرب معنى الحرية، أراد أن تكون تونس الفصل الأخير من تاريخ كفاح تلك الشعوب، وأن تكون تونس العبرة لمن خلفها. لكن الشعب الحر الواعي لم يقبل بتلك القرارات، ولن يقبل إلا أن يكمل قصة الحب الجميلة التي سطرها في 2011، ويرى أن تلك الأحداث هي ذروة الحبكة ولا تزال في القصة بقية، فقصة الثورة قصة حب ستنتهي لا محالة نهاية سعيدة.

في يوم السبت الموافق 18 سبتمبر/أيلول الماضي، كان لقاء الأحبة، وعاد التونسيون بكل أطيافهم إلى حيث اتفقوا أن يتواعدوا، لينشدوا ترانيم الحب أمام المسرح البلدي في شارع الحبيب بورقيبة، حيث الذكريات تعانق الإصرار لاستكمال قصة حبهم لتونس، ليعود الزخم ويستمر النضال وليكتبوا بأيديهم بداية النهاية لقصة دكتاتور يراد له أن يفرّق بينهم وبين محبوبتهم.

قرارات سعيّد كتبت شهادة وفاة آخرين

لم تكن قرارات قيس سعيد هي بداية نهايته على يد الثوار، لكنها أيقظت المارد القابع داخل أكبر حركة سياسية أثبتت تواجدها خلال السنوات العشر الماضية، ويراد لها أن تكون كبش الفداء لتنصيب الدكتاتور الجديد وانفراده بالسلطة. فالمراقب لخطابات قيس سيعد منذ اللحظة الأولى لقراراته الانقلابية، يجد أن حركة النهضة هي المستهدف الأول، وإن سبقت هذه المواجهة المباشرة بعد الانقلاب حوارات رآها النهضويون مراوغات سياسية مقبولة، وتعاطوا معها على هذا النحو، وحتى بعد قرارات سعيد الانقلابية تعاطت الحركة مع القرارات بأدوات لا تتناسب مع الأزمة، وهو ما أثار حفيظة قيادات كثيرة فيها، قبل قواعدها.

أزمة النهضة لم تبدأ بقرارات سعيد التي قصمت ظهر البعير، ولكن القصة يمكن التأريخ لها بالمؤتمر العاشر للحركة، والذي ناقش العديد من أوجه القصور وعلى رأسها التحالفات التي تقيمها الحركة مع أحزاب محسوبة على النظام البائد، وكذا الديمقراطية الداخلية في الحركة. وعلى الرغم من أن وعودا قطعت في ذلك المؤتمر، فإن شيئا لم ينفذ، وتأجل المؤتمر الحادي عشر لأسباب كثيرة، غير مقنعة، وهو ما رآه البعض هروبا من مخرجات المؤتمر الذي سبقه.

وعلى الرغم من أن النهضة لا يمكن أن تتحمل عبء ما حدث في تونس وحدها، لكن تحالفاتها البراغماتية وبُعدَها عن الحالة الثورية التي تعيشها البلاد، وهي تلك الروح التي تجري في عروق شبابها، وانشغالها بترتيبات السياسة من دون الالتفات الجاد لمطالب العامة، جعل الأنظار تتوجه إليها مستصغرة الفعل ومنتظرة من الفاعل مزيدا من الجدية، وهو ما وقعت فيه كل الأحزاب والتجمعات الثورية في ربيعنا العربي.

مع ذلك، فإن العمل الفكري والتنظيري لم يأخذ الحيز اللازم لإخراج الحركة -ومن ثم تونس- من حالة المشي في المكان الذي تعيشه منذ الثورة. وما أصبر هذا الشعب، وما أجمل وعيه وإحسانه وإيمانه بأن التغيير لا يأتي إلا بالمؤسسية، وهو أيضا ما افتقدته تلك المرحلة. فالظروف تستوجب فتح نقاشات فكرية وسياسية حول إعادة بناء الدولة، جنبا إلى جنب مع نقاشات جادة حول الحركة ومنظورها وتموضعاتها، وسبل الانتقال بها من حركة أبوية إلى تنظيم سياسي حقيقي يقبل التغيير من الداخل، مما يعني إعادة بناء العلاقات بين مكونات الحركة من الرأس إلى القواعد.

ولعل الأزمة الأخيرة باستقالة ما يزيد على 100 قيادي في الهيكل التنظيمي للحركة خير لها، وإن يحسبها البعض شرا لها، إذ إن هذه الهزة يمكن أن تحدث التغيير الذي لم تستطع تلك القيادة إحداثه خلال 5 سنوات ويزيد، بعد تعهدات ومخرجات المؤتمر العاشر للحركة. ولربما تكون أيضا خيرا لتونس كلها، بميلاد عدالة وتنمية جديد على غرار ما أحدثه صاحب الاسم في تركيا، ولا سيما أن اتهامات قيس سعيد بتحصّل بعض الأحزاب على دعم مالي من الخارج في الانتخابات الأخيرة، ومنها الحركة، ومحاولة اللعب به للضغط على الحركة وباقي الأحزاب لقبول شروط سعيد، يحرر من خرج من عبء هذه الاتهامات، ويعطي نفسا جديدا للثورة يستكمل النضال ويحقق أهداف الثورة التي اختطفت وتنازع على إرثها الجميع.

إن مشاهد الآلاف الذين تجمعوا ويتجمعون يوميا منذ قرارات قيس سعيد الأخيرة في تونس وصفاقس وغيرها من المحافظات، يدعمها الفعل الثوري لمن خرجوا من النهضة أخيرا. لم أكن لأتصور أو أتمنى أن تكون قرارات ساكن قرطاج الأخيرة بداية النهاية للنهضة، لكن فيما يبدو أن هناك من يصر على أن يكتب شهادة وفاته بنفسه إن لم يتحرك إثر الزلزال الأخير.

 

فصل جديد في كتاب الأمل

ولأن تونس كانت المبتدأ، فدوما عند التونسيين الخبر. من جديد يكتب التونسيون صفحة في كتاب الأمل، أمل التحرر من الدكتاتورية وحكم الفرد، أمل في إرادة الشعوب واستجابة القدر، أمل في أن تؤسس دولة فتية على أسس العدالة والمساواة واحترام القانون، احترام دماء الشهداء الذين ضحوا من أجل هذه الدولة التي يريدون توريثها لمن بعدهم. هذا الوعي الشعبي والذكاء الفطري والحس الوطني الذي لا تخدعه شعارات السلطوية والدكتاتورية، الحس الذي استطاع من اللحظة الأولى أن يفهم مغزى ما أريد ليلة 25 يوليو/تموز، حتى قبل أن يؤكده سعيد بقراراته الأخيرة.

لكن رئيس الصدفة الذي ركب على الثورة في لحظة ضعف من الجميع ضاعت فيها البوصلة وضلوا الطريق، لم يفهم أن جيلا لم يشخ لا يزال باقيا ليحافظ على مكتسبات ثورته، جيلا يحافظ على المعايير الأخلاقية قبل السياسية، جيل يثور على المنظومة السياسية إذا ما انحرفت، يضع مبادئ ثورته أمام أعينه، راميا خلف ظهره عباءته الحزبية والأيديولوجية. فتونس المنطلق والمنتهى، والثورة وأهدافها ومكتسباتها مصباح يضئ له الطريق ويرشده، لا فضل لكبير على صغير، ولا لمثقف على أمي إلا بالثورة.

إن خروج سعيد من سردابه بعد شهرين ونيف ليختار رئيسة للوزراء لتشكيل حكومة على مقاسات نظرته للحكومة، التي يرى نفسه فيها رئيسا أوحد لها، هو ما يعني أن بودن قبلت أن تكون مديرة مكتب لمجموعة سكرتارية لسعيد الذي يريد الانفراد بالسلطة التنفيذية، ضاربا بالدستور الذي صوت عليه الشعب عرض الحائط، بعد أن حل البرلمان الذي اختاره التونسيون، مما يؤكد نظرته الحقيقية للشعب وحالة التعالي والفوقية التي لا يمكن إخفاؤها، سواء في الخطاب أو القرارات التي تتحول إلى وقائع وأحداث تسرق حق الشعب الأصيل في تقرير مصيره واختيار خريطة طريقه، بعد أن فشل ساكن قرطاج في رسمها.

أراد سعيد باختياره سيدة لرئاسة الوزراء أن يحدث دويا إعلاميا أثره صوتي يربك العامة، ودويا سياسيا أريد به ضرب الصف الثوري الذي يتلاحم يوما بعد يوم ضده.

لكن هذا الجيل يفهم جيدا قواعد اللعبة وتنظيراتها، ويفهم جيدا علاقة كل سلطة بالأخرى، وما يحكم بينها من قواعد دستورية وقانونية، لكنه في لحظة فارقة يستعيد السلطة ممن فوضها له، ليكون هو الحاكم الحقيقي ويقول كلمته، ويعيد تأسيس قواعد اللعبة من جديد بعد إخراج كل اللاعبين وعلى رأسهم من أفتعل الأزمة.

الشعب يريد إسقاط الانقلاب.. هتاف شابه مثيله في بدايات ثورة الياسمين، والمعنى واحد. وبعيدا عن مآلات الهتاف والتحركات التي ستتبعه والنتائج المنتظرة، فإن خلاصة هذا الحراك هو دفعة أمل جديدة أطلقها ذلك الشعب الحي، يخطب بها ود محبوبته، ويحرك المشاعر لدى المحبين في ربيعهم العربي الجديد المنتظر.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة