عن الأبوية التاريخية..

"التغيير مرهون بالعبد والسيّد" حقيقة ينبغي التعامل معها وفق الظروف القاسية للمجتمعات التي تكافح سطوة الطغم الحاكمة (مواقع التواصل)

الحشود أو الجماهير، أسماء مختلفة مقرونة بصفات جعلت من بعضها وسما غير سوي لمجتمع ما، شاء له القدر أن يمنحه الخلاص عن سطوة ما طال سلطانه بالقهر والخوف، ومهما بلغ سوء ما اقترنت به الكلمات تلك من انصياع وانسياق مطلق لما لا تدرك عواقبه، وما تجهل دوافعه، فإنّها على قدر "اللحظة التاريخية" التي تتيح لها النجاة مما سادها وعادها، غير آبهة بما يحاك لها من برامج وخطط "ترويضية" من شأنها أن تعزز من استمرارية هيمنة قوى الاستبداد.

من أجل ذلك ابتكر رعاة الخوف وسائل تمكنهم من الاستحواذ، لا على واقع الذوات المقهورة فحسب، بل حتى على مستقبلها إن هي أرادت أن تفك قيود عزلتها وصرخت بأعلى صوتها باسم الحرية، والعدالة، والإنسانية. فما عجزت عنه جيوش الامبراطوريات الغربية ومؤسساتها الاستشراقية في ترسيخ "صورة بائسة ومتوحشة" للعربي والشرقي والأسود، هي اليوم بأعتى أدواتها العنيفة تتقدم على نَحْو مخيف، لتوريط الحضارة في استنساخ إنسان متحكم به ليس له الحق في أن يختار أو يقرر مصيره بنفسه، لأنّ عالما معولما قد أسلم هواجسه وهوسه إلى شركات ومنظمات مهمتها الأولى مراكمة الثروة ونشر الذعر.

الجماهير وسادتها ضمن حلقات تاريخية غير منتهية، يدفع بعضها بعضا لتحكي مأساة المغيبين في سجون الآباء غير الشرعيين، والمهمشين بسبب مخططات التآمر الدولية على أحلامهم وطموحاتهم، ضمن عالم تتربع على خيراته نخبة اقتصادية سياسية طال شرّها الطبيعة والإنسان، لتكون نتيجتها حروبا دموية ونفايات حضارية جعلت من الطبيعة البشرية مسخا تهدده التغييرات المناخية المرعبة والتحوّلات الاجتماعية، فهل العالم مقبل على تكثيف المساعي لتقييد الحريات متجاوزا الحق الإنساني؟ أم أنّ سلاسل الخوف والطغيان آن لها أن تنكسر لتزيح عن الذوات المقهورة أسطورة الآباء التاريخيين؟

عن الجهل والخوف.. فك عزلة الإنسان

يَحُول الخوف بين الإنسان ورغابته في الحياة والطلب، كما أنّه يمنع عنه الهلاك وسوء المنقلب، لكن هل كان الخوف طبعا ملازما للإنسان منذ النشأة الأولى، أم أنّه صفة مكتسبة كان على الإنسان أن يتأقلم معها وفق المتغير التاريخي الاجتماعي والسياسي الاقتصادي؟ قد يختلف اثنان على الطبيعة البشرية كونها هي الأخرى غير ثابتة الدلالة والمعنى، إلا أنّها تقوم على "تشارك موضوعي" بين الجنس البشري منذ أن وطأت قدمه الأرض، ولتحديد ما إذا كان الخوف طبيعة بشرية رسمت حدود العالم الإنساني، أم أنه فعل مكتسب يتأتى حال جنوح البشر نحو الشر، كان لزاما أن تتحدد ماهية الخوف وطبيعته وارتباطه الوظيفي لما يترتب عنه من هواجس وقلق، لها من التأثيرات ما يمكّنها من صياغة سلوكيات متناقضة.

إنّ الادراك البشري للعالم هو أحد أهم العوامل التي يبني الإنسان عليها استمرار حضارته وجنسه، غير أنّ دائرة الإدراك تلك تقصر حالما ينعقد الوعي لفهم الذات البشرية بتناقضاتها وتوافقاتها، وذلك لعجز البشر عن استيعاب ما لا يملكون إدراكه إلا إذا تجاوز الإنسان حدود قدرته، وينتج عن ذلك القصور المعرفي جهل باللغة والتواصل بين الشعوب والمجتمعات.

وحيثما ينتشر الجهل يرسم الخوف حدود مملكته، ويعلن سلطانه مطبقا بشرّه على الحريات والحقوق العامة والفردية، فالشعور بالقلق وانتفاء الأمن سببان كافيان ليجعلا من النفس البشرية تعيش حالة من الهستيريا والهلع، وكلما تنامى الوعي البشري بالعالم ازدادت هواجسه بالكسب، وتهافتت رغبته مع ما يحيط بها من مخاطر على حب تملك الأشياء، وبذلك يتكون السّلوك الإنساني وفق الحاجات الملحة للبقاء والعيش.

ولو نظرنا إلى النشأة الأولى للإنسان وهو يستقبل عالما مبهما غير واضح الكينونة والهوية، لتبين أنّ مصدر المعرفة المكتسبة هو ذات الظروف التي تفرضها الحياة الخاصة بكل فرد ومجتمع، وبها تتحكم قيود التبعية في التفكير الفردي والجمعي معطلة انعتاقه وتحرره عما هو سائد من عادات وتقاليد وأنظمة، فلا تفعل، أو بالأحرى عليك القيام بذلك الشيء، خطابات تتكرر على مسامع الطفل وهو يلقّن من والديه ما يعتقدانه حقيقة، وتشتد عبارات النهي والتخويف كلما أمعن الطفل في تماديه البريء، حينها تنبري سلطة الأب كضامن للاستقرار والعيش بالبيت، تلك الكلمات لطالما رسم الأب بها صورة سوداوية لمستقبل غير إنساني، مفتقد للحياة والإبداع، لذات أشربت المهانة والإذلال، متحجرة ومنغلقة على نفسها، تجتاحها المخاوف من كل شيء، وهي تحيد عن الالتزام الأخلاقي، متمسكة بشرعية القوامة.

من المجحف عدم إدراج مصادر الخوف وأسبابه من البيئة التي يعيش الإنسان بها، أو الطبيعة التي تتقلب كل حين بين الغضب والمهادنة، واعتباره صفة ثابتة جبلت البشرية عليها، لأنّ الأصل لا يكون مكتسبا وغير قابل للتغيير، فالضعف صفة لازمة للإنسان مهما بلغ مراتب القوة، إذ تعجزه النواميس ويقهره تعاقب الليل والنهار، غير أنّ الخوف نتيجة حتمية "لتنامي الإدراك البشري" وحرصه الشديد على الاستمرار فيما يتخيّله من قوة وتمكين.

ومهما بلغ عنف الإنسان تجاه الإنسان والطبيعة، فإنّه متجاوز ذلك بقدر من المعرفة تمنحه الاعتراف والصفح، وكلاهما مرتبط بـ "حالة الوعي البشري" الذي يحدد ماهية الخطر وقوته، من أجل ذلك كان الخوف نتيجة الإدراك الكامل والنسبي للعالم، وحينما تتنامى الهواجس بالسيطرة أو الرغبة في الانعتاق، تصبح الأداة الفاعلة والمنظمة، والفوضى للسلوك البشري، هي الخوف، وفق ما تتطلبه التراكمات المعرفية وتأثيراتها على التفكير الفردي والجمعي، ليسود شعور الحاجة بالخلاص من حالة ذاتية مقلقة ومربكة، في حين يكون الواجب التخلي عن التصورات المستعجلة والخاطئة للنتائج التي يمكن أن يكون حدوثها أمرا بالغ الصعوبة والتعقيد، فالخروج من دائرة الخوف يشبه كمن تاه في الظلمة وهو يبحث له عن نهاية للطريق، قبل أن يوقد له نارا يصطلي بها.

من صراع الطبقات إلى نضال الأجيال

التغيير مرهون بالعبد والسيّد، حقيقة ينبغي التعامل معها وفق الظروف القاسية للمجتمعات التي تكافح سطوة الطغم الحاكمة، هي معادلة معقدة نوعا ما، فخيوط حلّها متشابكة بين العبد وسيده، وأيهما يملك القدرة على التأثير والتغيير، من أجل ذلك يترامى قول البعض إلى الميل نحو لوم العبد على عدم قدرته على التغيير، وإن فعل ورفض الانصياع لأوامر سيّده فليس بإمكانه الاستمرار في الثورة لافتقاده الأدوات الفاعلة لكبح جماح الطغيان، معللين أحكامهم النهائية في حق شعوب مستعبدة تناطح الآلة العسكرية والثقافية والاقتصادية لأطراف اصطنعهم الاستعمار للحفاظ على ما تبقى من نفوذه، بكثير من اللغط والاحتقار.

من السهل لوم الشعوب ووصفها بقطيع ينساق وراء الأخبار الكاذبة والفوضى الخلاقة دون وعي أو إدراك للنتائج الكارثية الناجمة عن تهورها، كما أنّه ليس من الحقيقة في شيء نعت من أحرق نفسه قربانا للحياة أن يقارن بحاكم يجثم على رقاب شعبه بالبراميل المتفجرة، يكفي أنّ السيّد وهو يلبس ثياب الأبوة التاريخية مازال متمسكا بأكذوبة انتصاراته البائسة، موئدا بفشله الحضاري أحلام من حملتهم قوارب الموت إلى المجهول.

منذ اللحظة التي أقدمت فيها الشعوب العربية على تحرير نفسها من الهيمنة التاريخية لجيل أبوي يأبى التغيير، انبرى الغرب لتكسير أيّ تجربة يمكنها أن تكون أيقونة للديمقراطيات بالمنطقة، وللعمل على وأد الانفلات من قفص التبعية والإذعان المطلق له، استنسخ نماذج "كومبرادورية متحوّرة" من رحم الثورة كأب شرعي للثورة، وظيفتها تدجين الشعوب وفق المصالح الاستعمارية التي أوردها الآباء التاريخيون باسم الوطنية، حيث باتت الذاكرة الجماعية لشعب يمتد تاريخ نضاله إلى الملايين المقبورة في أرشيف الكولونيالية الغربية، تسطّر ضمن حلقة التبعية المشحونة بالإثارة والخوف، والرغبة في التخلص من تبعات الماضي وهواجس المستقبل، فالثورة لم تعد بذلك القدر من الصراع الطبقي الذي منح البروليتاريا العدالة والمساواة، بقدر ما أصبحت "نضال أجيال متعاقبة" ضد "الأبوية التاريخية" التي ترفض تجريدها من قدسيتها، كفاح أفرزته مآلات "الربيع العربي" على هامش عودة السلطوية.

يقف الأب التاريخي متبخترا بقميص الثورة تخرقه خطايا الانتكاسة والعمالة، كي يروي أمجاده الزائفة والمكلومة بالخديعة والخذلان، لجيل انفلتت أغلاله متحللا من التزامات الماضي وصراعاته، جيل لطالما أظهر حضوره الوطني في مواجهة أعباء أثقلت مجتمعه ووطنه. لقد تراءى له ذات ثورة أن ينادي فـ "لتسقطوا جميعا" أو "ارحلوا"، واتركوا العائدين من غيابات التيه يستعيدوا أوطانهم ومستقبلهم، غير أنّه آثر القنابل والبراميل المتفجرة على أن يتركهم بسلام.

لقد تعلم الأب التاريخي دروسه جيدا ممن أورثه الحكم واستبقاه على رقاب المهمشين والمغيبين، فدوره الآن لا يتوقف على قهر مجتمعه وسلبه حقوقه، بل إلى نشر الخوف وإطلاقه حيث ما كان للدولة الوطنية أن تكون، إنّه يحيّد سلطة القانون وعدالة الأخلاق، لتحتل مكانها الحاجة إليه في استجلاب الثروة وتأميم الثورة، وبدل أن يعترف الأب بعجزه عن مسايرة حركة التاريخ، يخيّل إليه أنّ يملك القوة الكافية لترويض أجيال تتنفس الحرية..



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة