عبير.. الحكاية الملهمة بانتصارها على السرطان

جعلت من اسمها نصيبا بأن تكون مثل زهرة العبير تنشر رائحة الأمل بين كل من عرفت من مرضى السرطان (صورة تعبيرية - غيتي)

 

لا أعلم كيف أصابني شعور يخبرني بمجرد أن اتصلتُ على صديقتي العزيزة عبير للاطمئنان عنها، إنها مريضة بالسرطان رغم أنها لم تخبرني أو تمهد لي الأمر من قبل، في هذه الثواني القليلة جدا شعرت بحيرة، ماذا يمكن القول لها بعد المفاجأة التي أصابتني حينما كلمتها؟!

سألتُ الله تعالى أن يمنحني قوة وصبرا على ما أصاب صديقتي وحبيبتي وأختي في الله تعالى، فما وجدت لساني بفضل من الله تعالى إلا وقد حلت عقدته، وأخذ يذكّرها بقدرة الله الشافي، والأمل الكبير به.

فأصبح الحديث معها نعمة جليلة نذكّر بها بعضنا بأن الله تعالى هو الشافي والقادر على كل شيء، حتى وإن قال الطبيب "لا يوجد أمل والعملية خطيرة للغاية خاصة أن الإصابة كانت في الرأس".

ومع ذلك كنت على يقين أن الطبيب كان مجرد سبب، وثمرة الأسباب من الله تعالى، فإن عجز الطبيب فرب الطبيب لا يعجز، حيث تذكرت قوله تعالى "وما كان اللّهُ لِيُعجِزَه مِن شيءٍ" (فاطر: 44) فكانت هذه الآية كفيلة بالراحة النفسية والشعور بالاطمئنان.

رغم إصابتها بهذا المرض، لكن كانت تحتضنها رحمة الله تعالى، ولم تكن تعلم بأنها مريضة، وكانت في ذلك الوقت حاملا، وما علمت بمرضها إلا بعد ولادتها، وبذلك حفظ الله تعالى مولودها، خاصة أن مرض السرطان يحتاج إلى أدوية وجلسات علاج تؤثر على الجنين.

الرحمة الأخرى، أن الله الرحمن ربط على قلبها بالصبر الجميل رغم خوفها في بداية الأمر على نفسها من أجل أطفالها، وظنها أن "السرطان يعني الموت"، إلا أنه تبين لها أن الأمر ليس كذلك، فبعد أن علمت عن المرض وإجراءات علاجه، أيقنت حاجتها للصبر لقوله تعالى "إنَّ اللَّهَ مع الصَّابرين" (البقرة: 153).

كانت تستمد قوتها من إيمانها بالله تعالى، وأن هذا ابتلاء يحتاج إلى حسن الضيافة بالصبر والرضا والأخذ بالأسباب للعلاج، والأجر الكبير الذي يترتب على ذلك كان يشعرها بالسعادة رغم الوجع، خاصة حينما تتذكر قول الله الرحمن "إنَّما يُوَفَّى الصَّابرونَ أَجرَهُم بغيرِ حِسابٍ" (الزمرة: 10).

فكان العامل الأول في علاجها هو التغذية الإيمانية التي كانت تعمل على تقويتها كلما استطاعت بالدعاء والصلاة وقيام الليل، وتلاوة القرآن والصدقة، فذلك كان يزيد من الطاقة الإيجابية في داخلها، وبالتالي ارتفاع مؤشرات العامل النفسي للأفضل، الأمر الذي انعكس على تقبل جسدها للعلاج وتحسن الأمر.

وبعد ذلك، أصبحت تنظر لنفسها من زاوية جديدة، وهي تعمل على دعم مريضات السرطان، وتحدثهن عن تجربتها، وأن نسبة الأمل بالشفاء كبيرة مهما كانت قليلة في نظر الأطباء، فإن الله تعالى قادر على كل شيء.

تجربتها في رحلة العلاج التي تنقلت فيها بين أحضان غزة المحاصرة، وتكبيرات المسجد الأقصى، والسجود في باحته جعلها تشعر أنها ولدت من جديد كلما عانقت حروف مصحفها، ورتلت آياته في باحة المسجد تحت شجرة الزيتون الخضراء.

وكانت كلما تشرق الشمس -عند مسيرها من جرعات العلاج في المستشفى إلى باحات الأقصى- كانت تشرق في قلبها حياة جديدة تحمل الأمل والثقة بالله تعالى.

وبعد رحلتها في العلاج بكل ألمها وأملها التي تكللت بالشفاء، جعلت من اسمها نصيبا بأن تكون مثل زهرة العبير تنشر رائحة الأمل بين كل من عرفت من مرضى السرطان، وتبشرهم بالخير والشفاء، وتقوي من عزيمتهم، وتذكّرهم بقول رسول اللَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بهِ خيرًا يُصِبْ مِنْه".

ورحم الله تعالى قارئا دعا لي ولوالدي بالعفو والمغفرة، "واللَّهُ غالبٌ علىٰ أمرِه ولَكنَّ أكثر النّاس لا يَعلمون" (يوسف:21).



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة