بُنيّ أنت حر بتلك القيود

مقداد القواسمي يعاني من نقص حاد في الوزن، وانخفاض معدّل نبضات القلب، وضيق في التنفس وآلام حادة في كل أنحاء جسده، ولا يكاد يقوى على الوقوف (مواقع التواصل الاجتماعي)
صورة الأسير مقداد القواسمي يعانق والدته لأول مرة منذ اعتقاله (مواقع التواصل الاجتماعي)

صورة لا يمكن أن تمحى من ذاكرة كل من شاهدها، تلك الصورة التي تعكس حجم الألم والمعاناة والمأساة والحرمان من أبسط الحقوق في الحياة، وتعكس كمية الوجع والظلم الذي يعاني منه أبطالنا الأسرى. تلك صورة التقاء الأسير الفلسطيني مقداد القواسمي بوالدته بعد صدور قرار محكمة الاحتلال الإسرائيلية بتجميد أمر اعتقاله الإداري بعد 77 يوما من إضرابه المستمر عن الطعام في معركة الأمعاء الخاوية؛ حيث إنه ما يزال يضرب عن الطعام رفضًا لإعادة اعتقاله، واحتجاجا على اعتقاله الإداري، في معركة تسطرها إرادته القوية أملا بوقف نزيف عمره داخل السجون، لينتزع الحرية انتزاعا.

مقداد القواسمي الشاب العشريني الذي يكاد أن يفقد حياته أمام العالم من دون أي تهمة، لمجرد أنّ الاحتلال الإسرائيلي يريد ذلك. هذا الشاب -الذي لا يزال في بداية عمره- بات يعاني من نقص حاد في الوزن، وانخفاض معدّل نبضات القلب، وضيق في التنفس وآلام حادة في كل أنحاء جسده، ولا يكاد يقوى على الوقوف، ويعاني من عدم وضوح في الرؤية وآلام بالأمعاء والرأس والبطن، وقد يتعرض للموت المفاجئ في أية لحظة، بحسب هيئة شؤون الأسرى والمحررين، كما أنّه مقيّد في السرير من يده اليمنى وقدمه اليسرى على مدار الساعة وبوجود 3 سجانين يحاصرونه في غرفته بالمستشفى، ورغم كل ذلك لا يزال القواسمي صامدا في معركة الكرامة فإما النصر أو الشهادة.

وتكاد الصورة أن تنطق لتسمعنا وتشعرنا بلحظة التقاء الأم بابنها مقداد وهي ترسل سهام الحب من عينيها ولسان حالها يقول "بُنيّ الغالي فلذة كبدي أفتخر بك، زادك الله فخرا ورفعة، بُنيّ أنت حرّ بتلك القيود".

فيا مقداد هنيئا لك بالصبر، إنك والله أمام موقف صعب، ولا يكون التغلب عليه بالسهولة التي يظنها الآخرون، وعلى الرغم من ذلك؛ فقد سطرت بثباتك ملحمة بطولية، فالسجن هو مكان أهل الحق، فمهما طال الظلم سينتصر الحق بإذن الله.

وها هي أم مقداد تقترب حذرة، وتمد يدها تتحسس وجنتي ابنها، وهي تتساءل كيف لها أن تفدي ابنها وقد كاد قلبها يتفطر ألما، وسرعان ما هدأت أعصابها وزال خوفها وسكن روعها وفارق الهلع عيونها واطمأنت اطمئنان الواثق بالله فحوقلت وحسبلت على كل المتخاذلين الساكتين عن الحق، من تسمّروا على كل من يرى الظلم ولا يحرك ساكنا، فكيف يكون الصمت على حقوق تنتهك وأرواح تزهق ونفوس تحبس وحرية تسلب؟! فاعتقال أولئك الشباب -ليمضوا زهرة شبابهم بين جدران السجون- من دون تهمة سوى أنهم يحبون الوطن ويدافعون عن كرامتهم المسلوبة ولا شيء غيره، فما هي إلا صورة وحشية من صور انتهاك حقوق الإنسان.

ليغيب بعدها مقداد بين أحضان أمه الدّافئة، أمه التي على جبهتها يطوف نور تظنّه تاجا، وإذا سألت عنه قالوا "تاج من نور ألبسها إيّاه ربها لصبرها على مرارة الألم والفراق"، صبرها الذي لم ينفد أبدا، فقد خلط بمداد الصدق واليقين في بوتقة الأمل فصار جمالا ونورا مشعا لا يغادر جبينها.

ولما رأت عناد ابنها مقداد وإصراره على موقفه في معركة الأمعاء الخاوية؛ اكتفت بالدعاء له والتضرع لله تعالى أن يكشف عن ابنها الغمّة فهو فلذة كبدها ومهجة قلبها، وتصطبر أم مقداد، فتصبر وتحمد ربها على أن مصير ابنها يختلف عن مصير الكثيرين من أبطال فلسطين؛ فمعظمهم قضي بين شهيد ومفقود في عالم النسيان في زمن تغطرس فيه الظالم وتجبّر وأخرس فيه المظلوم وقهر وسلبت حقوقه، وسيجعل بعد عسر يسرا، وما عليها إلا أن تنتظر حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، فالحكم حكم الله، ومقداد اليوم بسجنه في سجون الاحتلال يسدد ضريبة الدين والوطن، ويشارك أبناء شعبه المعاناة والحرب ضد هذا الغاصب المحتل، ويذود عن عرضه وأرضه، نعم إنّه شجاع مقدام ولن ينال القيد من صبره وجلده ولن يبتاعوا منه المواقف والمبادئ.

فيا أمّ مقداد يا أمّ الأحرار جميعهم اجلدي أعداء الله بسليط دعائك، وأطلقيها دعوة لتعانق عنان السّماء لا تعيقها المسافات الشاسعة بين السّماء والأرض ولا تردّها حرارة الشمس أو ازدحام نجوم الليل. إنه الإيمان الخالص بقضاء الله وقدره والتسليم لأمره فأنت المؤمنة الواثقة بعدالة السّماء ونفاذ وعد الله الصّادق.

وترفع أمّ مقداد يديها نحو السماء فتلج بالدعاء كي يحفظ الله جميع أسرانا الأبطال المضربين عن الطعام ويمن عليهم بالثبات ويخفف عنهم حكم الطواغيت ويعيدهم جميعهم سالمين معافين في دينهم وبدنهم. وتبقى تلك الصورة تسلط الضوء على القليل مما يعانيه أسرانا وذويهم من أمهات وزوجات وبنين وبنات من الاحتلال الصهيوني البغيض، ولا يسعني غير أن أختم القول بـ"حسبنا الله ونعم الوكيل فلا بارك الله فيمن نسي الأسرى والمسرى".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة