أعلام الإباضية وقضايا الأمة.. "سند دين" متصل وتاريخ مجيد

blogs الإباضية
أعلام الإباضية ناصروا قضايا الأمة ودافعوا عن الإسلام وأهله (مواقع التواصل الاجتماعي)

في مقدمة صفوف أحرار الأمة اليوم يقف مفتي سلطنة عمان الشيخ العلامة بدر الدين أحمد بن حمد الخليلي شاهرا سيف الحق والعدل، مدافعا عن قضايا المسلمين ببسالة  ووضوح، يسمي الأشياء بمسمياتها، ويضع الأمور في نصابها وفق موقف شرعي متزن يزيد شباب الأمة ثقة في علماء الإسلام، ويذكرهم بما يقرؤونه من تضحيات السلف العظيمة في التصدي للطغاة والغزاة.

والحق أن مواقف الخليلي ليست جديدة ولا غريبة، فهذا الشيخ الأزدي العماني المولود في زنجبار عام 1942، والذي تقلب في عدة وظائف شرعية وأخذ العلوم عن أعلام مذهبه، يرابط منذ عقود على ثغور الدفاع الباسل عن قضايا الأمة ونصرة المظلوم ومناوأة الظالمين. و"نسبه الديني" في هذا الباب عالٍ صحيح متصل، فقد كان أسلاف الخليلي وأشياخه من السادة الإباضية منذ اليقظة الحديثة في مقدمة حداة ركب التحرر، ينافحون عن كل القضايا الإسلامية من فلسطين إلى التصدي للاستعمار الفرنسي المقيت في شمالي أفريقيا ثم مراغمة الاستبداد الأعنف في ليبيا، كما كانوا من رواد حركة إحياء التراث الإسلامي في مصر وغيرها.

وقد رأيت بعض الأخيار في تعليقاتهم على مواقف الخليلي الشجاعة بين مغتبط بخجل، ومستغرب على عجل يظن أن هذه المواقف طارئة أو صحوة إباضية متأخرة تحاول التمدد في فراغ سني يتناقص أعلامه المصلحون كل يوم بالموت والشيخوخة والسجون والمنافي والحملات الإعلامية المغرضة، فأحببت أن أجيب القارئ الكريم عن عدة أسئلة تتداعى إلى أذهان المتتبعين، ومن تلك الأسئلة: هل للشيخ الخليلي سند في الدفاع عن قضايا الأمة؟ ومن هم أسلافه في ذلك؟ وما هي تجليات تضحيات أعلام الإباضية في ميادين التحرير والتنوير؟

وبسبب طبيعة اهتمامي بتاريخ الإصلاح في شمالي أفريقيا، سيكون تركيزي على تضحيات أعلام الإباضية في هذه المنطقة، وعلاقاتهم بنظرائهم من المصلحين في الجزائر وتونس وليبيا ومصر، إنصافا لهؤلاء النبلاء وتقديرا لتضحياتهم العظيمة.

اتصال السند

في ترجمة الشيخ الخليلي المنشورة في موقعه الرسمي أن "مِنْ أبرَز المشايخ الذين أخذَ عنهم وتركوا فيه أثرًا كبيرا: العلامةُ المجاهد أبو إسحاق إبراهيم اطْفَيِّش الجزائري نزيل مصر (ت 1385هـ)؛ في زيارته الثانية لزنجبار التي بدأت يوم السابع من صفر 1380هـ، وانتهت يوم 12 ربيع الآخر 1380هـ، وعمُرُ الشيخ أحمد حينها يقارب 19 سنة. وكان الشيخ أبو إسحاق يلقي دروسًا في مسجد السيد حُمُود في تفسير القرآن شبه يوميّة، طيلة إقامته بزنجبار، بلغَتْ نَحوًا من 40 درسا، وعنه حفظ تلميذه الشّيخُ أحمد عددا من آرائه وتحقيقاته في الفقه والعقيدة والتفسير".

وحين نسأل رواد الإصلاح عن الأدوار التحررية والتنويرية التي لعبها علامة الإباضية أبو إسحاق اطفيِّش شيخ الخليلي الذي تأثر به، يجيبنا الإصلاحي الكبير محب الدين الخطيب (ت 1389 هـ/1969 م) في تعداده للذين أقاموا معه مجلات "الفتح" و"الزهراء"، فيقول: "هبط صديقنا الأستاذ العلامة الشيخ إبراهيم اطفيش وادي النيل مهاجرا إليه من وطنه الجزائر من قبل أن يولد الفتح، واكتسبنا صداقته من السنة الأولى التي اتخذ فيها الوطن المصري وطنا ثانيا له، فكنا نحن وجميع أفاضل المصريين نعجب بصدقه وصلابة دينه واستعداده للمشاركة في كل خير، فما قامت لخير الإسلام جماعة من ذلك الحين، ولا أرسل المنادون إلى الفلاح صوتهم في أمر، إلا كان الأستاذ أبو إسحاق الشيخ إبراهيم اطفيش في مقدمة المعينين على ذلك. ومقالاته المتعددة في هذه الصحيفة وفي أختها الزهراء شاهد على فضله، ودليل على حسن بلائه في سبيل وحدة المسلمين. جزاه الله خيرا" (آثار ابن باديس، ج 4، ص: 150).

تاريخ مجيد

كان العلامة اطفيش علما من أعلام إحياء التراث المعتكفين في دار الكتب المصرية، وكان قبل ذلك عضوا في القسم الأدبي الذي أنشأه أحمد زكي باشا، وكان هذا القسم -حسب محمود الطناحي (ت 1914هـ)- "مدرسة كبرى في القدوة المثالية للمحققين المعاصرين، وكان يضم مشيخة جليلة من العلماء الكرام البررة، الذين أخلصوا لله فيما أسند إليهم"، ومن هذا القسم خرجت بواكير النشرات المعاصرة لتراثنا مثل "صبح الأعشى" و"الأغاني" للأصفهاني وتفسير القرطبي ودواوين شيخ المعرة والهذليين (مقالات الطناحي. ج 1، ص: 172).

لم يكن قول محب الدين الخطيب عن مسارعة اطفيش إلى التعاون مع جميع الجمعيات الإسلامية مجازا أو مبالغة؛ فقد كان اطفيش عضوا مؤسسا في جمعية الهداية الإسلامية مع الشيخ محمد الخضير حسين شيخ الأزهر فيما بعد، كما نشط مع أعضاء "جمعية تعاون جاليات شمال أفريقية" في القاهرة داعما للقضية الجزائرية ومعرفا بمخاطر الاستعمار في شمال أفريقيا، وكان عضوا في جمعية الشبان المسلمين، وفي عضويتها وقع بيانا عام 1931 مع عشرات المصلحين للتنديد بـ"سياسة الإبادة والاستئصال التي اتبعتها إيطاليا في طرابُلس الغرب"، وشارك في المؤتمر الإسلامي المنعقد بالقدس سنة 1930، وكانت مجلة "المنهاج" التي رأس تحريرها وأسسها بين عامي 1925 و1930 منبرا لأحرار الكتّاب يكشفون من خلالها "عن مخططات الإنجليز والفرنسيين الاستيطانية في الحجاز والشام والمغرب العربي بأسلوب تحليلي عميق"، كما يقول الأستاذ محمد فارق الإمام.

ومجلة "المنهاج" من المجلات التي بشرت بها مجلة "المنار" الإصلاحية، وأشادت إشادة كبيرة بدورها في الرد على الشيخ علي عبد الرازق صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، فقالت إن الجزأين اللذين صدرا من المنهاج "حافلان بالمسائل الدينية والأدبية والتاريخية، وكان من بواكر ثمراتها الرد على كتاب الشيخ علي عبد الرازق راوندي هذا العصر في محاربة الإسلام، ونصر الإفرنج على المسلمين، ومؤيد دعاية الملاحدة اللادينيين بشبهات الدين".

وتضيف المنار عن صاحب المنهاج ودوره في توطيد الوحدة الإٍسلامية قائلة "وإذا كان منشئ هذه المجلة من كبار علماء الإباضية وخليفة أشهر علمائهم في العصر علمًا وبيتًا، فالمرجو أن تكون مجلته من أسباب التأليف والوحدة بينهم وبين أهل السنة والشيعة، والخلاف بينهم وبين الشيعة أشد، وقد كان هو الذي بادر إلى الرد على بعض الكتب التي نشرها بعض دعاة التشيع في هذه السنين للطعن في أئمة حفاظ السنة ونبذهم بلقب النصب، وكان ردًّا معتدلا، فعسى أن تنال ما يكافئ اجتهاد منشئها الغيور على الأمة والملة من الرواج والانتشار، وقيمة الاشتراك فيها 100 قرش" (المنار، العدد 8 الصادر يوم 13 فبراير/شباط 1926، ص: 640).

وقبل الكفاح في القاهرة كان العلامة اطفيش في تونس طالبا للعلم في جامع الزيتونة منذ وفد عليها عام 1917، وأنتج تعاطيه الفكري مع علماء تونس ومصلحيها كتابا ضمنه رؤاه في إصلاح التعليم سماه "الدعاية إلى سبيل المؤمنين"، ونشرته المطبعة السلفية في مصر عام 1342هـ، وهو من الكتب التي احتفت بها أيضا مجلة "المنار"، ووصفت مؤلفه وصفا طريفا فقالت بأنه "من علماء المسلمين العصريين الذين يلقبهم المنار بحزب الإصلاح المعتدل، أي الذين يدعون إلى الجمع بين هداية الدين الحق اعتقادًا وأدبًا وعملاً وبين ما يتفق معها من مدنية العصر المبنية على قواعد السيادة والاستقلال والقوة العسكرية والثروة".

وتضيف مجلة المنار "وإن بين هذا الفريق من عقلاء الأمة الإسلامية وبين مقلدة الجامدين من حملة العمائم وسكنة الأثواب العباعب نزاعًا مستمرًا، وقتالاً مستحرًا، ميدانه الطروس وأسيفه الأقلام، وإن كتاب "الدعاية إلى سبيل المؤمنين" وهو أول أثر من آثار هذا الأستاذ الغيور في هذا الجهاد، أبرزته المطابع لنا بعد هجرته إلى مصر وإلقائه عصا السير فيها، رد فيه على رسالة لأحد المتطفلين على التأليف من أولئك الجامدين، الذين أصبحوا فتنة للكافرين، وحجة على الدين الذي يدعون من علمائه بغير حق، فهم يعارضون المصلحين في كل قطر، لحثهم المسلمين على العلوم والفنون والصناعات التي تتوقف عليها القوة والسيادة في هذا العصر، وقد كان هؤلاء سبب ارتداد أكثر من ارتد عن الإسلام في هذا الزمان من الترك والعرب والفرس" (مجلة المنار، العدد الأول لعام 1926، ص: 559-600).

وفي جنبات جامع الزيتونة لم يقتصر العلامة اطفيش على مجرد التحصيل العلمي، بل "أصبح عضوا بارزا في حزب الدستور التونسي بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي صحبة زملائه في البعثة أبي اليقظان ومحمد الثميني"، وأبو اليقظان هذا هو إبراهيم بن عيسى حمدي (1888-1973) أحد رواد الإصلاح العابرين للحدود، ناضل في صفوف الحركة الوطنية التونسية، وكان صديقا شخصيا للزعيم الثعالبي، ثم انضم لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931، وواصل النضال مؤرخا وكاتبا ومنافحا.

وأبو اليقظان هذا هو أول وطني جزائري ينشئ مطبعة داخل الجزائر، وهو أحد أساطين النشر في شمال أفريقيا، ويعرف كثير من جرائد ذلك العصر باسم "جرائد أبو اليقظان" وقد أصدر بين عامي 1926 و1938م ثماني جرائد من بينها "جريدة النور" التي قال عنها العلامة الكبير محمد البشير الإبراهيمي (ت 1385هـ) بأسلوبه البديع في رسالة بعثها إلى صاحبها يشكره على إهدائه عددا منها مع "ديوان أبي اليقظان"، "وصلتني هديتكم اللطيفة وقد كتب عليها الإهداء بخط يدكم، فقبلت الهدية وشكرت مهديها، وهيهات ما شكري بكفاء. وما أنا بقادر على الوفاء. وما كدت أنتهي من مطالعة الديوان وأخلص من غمرة الإعجاب به والعجز عن تقريظه حتى وافتني جريدة "النور"، فكانت نورًا على نور، وانتقل الخاطر من طريقة إلى طريقة، ومن خيال إلى حقيقة، هذه الحقيقة هي التي يجب أن تقف عندها الخواطر، هذه الحقيقة هي رافعة الحجاب ومثيرة الإعجاب ومزيلة السلب بالإيجاب، هذه الحقيقة هي ثباتكم والعواصف هَوْجَاء، ووثباتكم والطريق عوجاء. أكثر الله من أمثالكم في العامدين، وجعل لكم لسان صدق في الآخرين. ودمتم لأخيكم". (آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج 1، ص: 97).

فهذه الرسالة الأثيرة من عالم سلفي بمنزلة محمد البشير الإبراهيمي وغيرها تعبّر عن مدى الارتباط بين دعاة الإصلاح في القرن الماضي وتجاوزهم قضايا التمذهب والتشظي الطائفي الذي انتشر فيما بعد فجزأ المجزأ وأبعد الأخ عن أخيه والمناضل عن رفيق دربه، وتكشف رسالة الإبراهيمي أيضا عن مدى ثبات أبي اليقظان في وجه العواصف والزعازع التي لاقاها ذلك الجيل بصبر ونبل ورباطة جأش من لدن المستعمرين وأعوانهم، كما أن من خلفهم في حكم الجزائر وغيرها لم يأل جهدا في ذلك، وكان الإبراهيمي من أبرز ضحايا ذلك الإنكار المؤسف.

ليس ذكر الإبراهيمي هنا من قبيل الاستطراد الجاحظي، وإنما لأن قصة تنكر بن بيلة ورفاقه لهذا العلامة بعد الاستقلال ذات علاقة وطيدة بنضال الشخص الثالث من البعثة الميزابية وهو الشيخ محمد بن صالح الثميني، فقد ذكر المحدث المسند محمد الأمين بوخبزة في رحلته الحجازية الأولى عام 1382هـ-1962م وقت مروره بالجزائر أنه لما سأل العلامة محمد البشير الإبراهيمي الذي لقيه بعد طول بحث في حالة مزرية لعالم بمنزلته بسب تنكر رفاق بن بيلة، وفرضهم إقامة جبرية عليه منعته من زيارة إخوانه وأصدقائه في المغرب، طلب بوخبزة من الإبراهيمي أن يسمي له علماء يحرص على لقائهم حين مروره بتونس فلم يذكر له الإبراهيمي إلا شيخا كتبيا من الإباضية يسكن بقرب الزيتونة قال: لعل اسمه صالح الثميني، وقد لقيه بالفعل، وأرجع بوخبزة إضراب الإبراهيمي عن ذكر علماء تونس إلى خلافه الشهير مع الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور حول شائعة التجنيس (مظاهر الشرف والعزة المتجلية في فهرسة الشيخ محمد بوخبزة، ص: 51).

ولا أرى اقتصار الإبراهيمي على ذكر الثميني دون غيره من الأعلام الذين كانت تغص بهم تونس حينها إلا تقديرا ومعرفة بقيمة هذا الرجل الخطير الذي لم يكن مجرد كتبي يجاور الزيتونة، فهو علم إباضي من أعلام الكفاح الذين لم تعرفهم الجماهير حق المعرفة، وممن اهتم بتضحيات الثميني وخلد جزءا منها المجاهد الكبير أبو الحسن محمد علي الطاهر (ت 1394هـ-1974م) رائد الوعي والاهتمام بالقضية الفلسطينية وصاحب كتاب "نظرات الشورى" الذي نصح العلامة والمؤرخ المغربي عبد الله گنون (ت 1326هـ- 1989م) باقتنائه لأنه يعتبره "من الكتب التي يلزم كل مسلم مهتم بأمر الإسلام أن يطالعه ويضعه في خزانته بجنب "حاضر العالم الإسلامي" و"لماذا تأخر المسلمون؟" (كنون: التعاشيب، ص: 175).

نشر أبو الحسن الطاهر مقالا عن الثميني في العددين 133 و134 من مجلة دعوة الحق المغربية، في تأبين الثميني بعد أن أعلمه شاعر الثورة الجزائرية الإباضي المكافح مفدي زكريا (ت 1977م) بخبر وفاته، وجاء في مقال أبي الحسن أن الثميني حين وفوده إلى تونس طالبا للعلم مع رفاق دربه لم يدع "الوقت يمر سدى، بل أسرع إلى النهل من العلم، والاندماج مع المجاهدين التونسيين عند تأسيسهم الحزب الدستوري قبل أكثر من 50 عاما، لأن نجاح تونس هو نجاح وفلاح للجزائر نفسها، ولكل قطر عربي وإسلامي على وجه الأرض"، كما ذكر أن الثميني كان يشرف على تهريب "جريدة الشورى" من تونس إلى الجزائر بعد تهريبها من مصر، وكانت مكتبة الاستقامة للثميني محطة عبور لجريدة الشورى التي كان يكتب "بها كثيرون من كبار كتاب العرب دفاعا عن قضاياهم المختلفة في سوريا وفلسطين والعراق ومصر والمغرب"، كما في الأعلام للزركلي ج 6، ص: 310.

وهؤلاء الأعلام الإباضيون تكونوا علميا وفكريا على يد مجدد المذهب الإباضي العلامة قطب الأئمة أمحمد بن يوسف اطَّفَيِّش (ت 1914م) صاحب التصانيف الكثيرة، وهم ينتمون إلى وادي بني ميزاب، لكنْ ثمة تلميذ آخر لقطب الأئمة من الأعلام الإباضية الذين قاموا بأدوار جهادية مشهودة في ليبيا هو المجاهد العظيم سليمان باشا الباروني (ت 1940م)، مؤسس أول جمهورية في شمال أفريقيا.

وقد أرخ أبو اليقظان المتقدم لأطوار حياة الباروني في كتابه عنه، لكني هنا أتوخى قصدا نقل كلام أعلام أهل السنة عن تضحيات هؤلاء النبلاء، وقد قال محب الدين الخطيب في تخليده لرموز الجهاد والتضحية في المغرب العربي عن الباروني في مقاله المتقدم "نحن نشكوا دائما ضعف القيادة في العالم الإسلامي، وللضعف مظاهر وأعراض ذات ألوان مختلفة، وكلما وجدنا جانبا من جوانب القيادة عامرا بالاستقامة والصلابة والإخلاص، كان حقا علينا أن نحمده ونعلن اغتباطنا به. وصاحب السعادة سليمان باشا الباروني من أعيان هذه الأمة الذين تحلوا بمزية الاستقامة والإخلاص إلى أبعد حد. عرفنا ذلك فيه منذ كان نائبا عن طرابلس الغرب في مجلس المبعوثان العثماني ثم ازددنا بذلك علما عندما رأينا جهاده المجيد في سبيل الله والوطن بعد حادث الاختطاف الذي كان من إيطاليا لطرابلس الغرب وبرقة" (آثار ابن باديس، 4/149).

وعلى تلاميذ قطب الأئمة اطفيش المتقدمين وغيرهم أخذ الشيخ العالم الليبي الإباضي علي بن يحيى معمر (ت1400هـ- 1980م) "سند الدين" والجهاد، فواصل مسيرة أسلافه مواجها للاستعمار ومناهضا لطغيان القذافي، وكان كما يخبرنا مؤرخ أعلام الحركة الإسلامية المستشار عبد الله العقيل -حفظه الله- "شخصية جذابة يزينه وقار العلماء وهيبتهم وطلاقة المحيا وبشاشة الوجه وحسن الحديث والذوق الرفيع والأدب الجم والتواضع والبساطة، وسعة الاطلاع على أحوال المسلمين ومشكلاتهم وبذل الجهد المستطاع لمساعدتهم وبخاصة عن طريق التعليم والتربية، وكان يدعو إلى التقارب ونبذ الخلاف والتخلي عن العصبية المذهبية وإلى التسامح وفتح باب الاجتهاد والدعوة إلى الوحدة الإسلامية"(العقيل، من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، ص: 645).

ويكفي الشيخ معمر فخرا أنه شيخ الدكتور الشهيد الإباضي عمرو خليفة النامي (1406هـ-1986م) الشاعر المسلم الذي كانت حياته ملحمة من ملاحم الجهاد والتضحية والبذل والنبل، وعنه يقول العقيل "وكان الدكتور النامي داعية من دعاة الإسلام العاملين، كما كان شعلة من الحماس والغيرة على الإسلام والعمل الدؤوب لنصرة الإسلام وقضايا المسلمين من خلال جماعة الإخوان المسلمين التي ارتبط بها وشارك في أنشطتها داخل ليبيا وخارجها". (العقيل، ص: 645).

والدكتور النامي هو صاحب قصيدة "أماه" المشهورة التي يقول فيها:

أماه لا تجزعي فالحافظ الله .. إنا سلكنا طريقا قد خبرناه

في موكب من دعاة الخير نتبعهم .. على طريق الهدى أنى وجدناهُ

تلك نماذج مختصرة جدا من مناصرة أعلام الإباضية لقضايا الأمة والدفاع عن الإسلام وأهله، ويلخص تلك الجهود العظيمة ما قاله الدكتور عمار طالبي نائب رئيس "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" في ملتقى الإمام محمد الخضر حسين الجزائري التونسي المصري "إخواننا الإباضية قاموا بنهضة، وحافظوا على اللغة العربية، وعلى الإسلام، ولم يكونوا من دعاة العرقية، ولا البربرية، وما إلى ذلك من نزعات ربما يدعو إليها بعض الناس، إنما حافظوا على هذه الثقافة التي عجنت العرب والبربر في بوتقة واحدة، فأصبحنا لا نستطيع أن نفرق أن هذا بربري أو عربي؛ لأن الدماء امتزجت، وامتزج التاريخ بهذه الأرض الطيبة، وتنازل الناس عن مصالحهم الشخصية" (موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين، ج 15، ص: 21).



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة