فرنسا وأفريقيا.. ما الذي حدث؟

تقرع أفريقيا طبولها وتصرخ في وجه فرنسا مغنية ضدها أغنية النضال، وقد سبق ذلك موجات غضب عاجلة وقصيرة. (الجزيرة)

ليس مفاجئا تماما أن تقرع أفريقيا طبولها وتصرخ في وجه فرنسا مغنية ضدها أغنية النضال، وقد سبق ذلك موجات غضب عاجلة وقصيرة. أفرزت أولى هذه الموجات مقاومات ضد الاستعمار، والثانية استقلالا عنه، والثالثة تغييرا في التحالفات. ففي الأولى قاوم الأفارقة من عبد القادر الجزائري ومن حذا حذوه، وفي الثانية ثارت أفريقيا ضد الاستعمار بالكامل، واستنجدت بالاتحاد السوفياتي في بعض الحالات، وانتهى الأمر بالاستقلال، ثم وئد الاستقلال الحقيقي، فأصبحت فرنسا متسيدة الموقف في مستعمراتها السابقة خاصة جنوب الصحراء، وهذه هي الموجة الثالثة.

وإذا كان الإنجليز "باردين" وميالين إلى التعامل السياسي الاقتصادي، والتأثير الثقافي الناعم البطيء، فإن الفرنسيين كانوا أكثر رغبة في إنفاذ رسالة الرجل الأبيض نحو الشرق، والتحرك نحو فرنسته، واللعب بمكامن "الرجعية" فيه؛ لإبقائه يدور في فلك فرنسا وإلزامه لغة موليير ومونتسكيو وروسو، في وقت كانت تخون فيه مبادئ هؤلاء الرجال بقهرها الأمم وقسرها على نموذج تصورته وأرادته في الثقافة والاقتصاد والسياسة.

والمحصلة، أن الذاكرة الشعبية لم تختزن عن الإنجليز سوى استعمارهم، ونسيت -لنعومة حكمهم- كثيرا من الأثر السالب لهم، في حين بقيت ذاكرة الشعوب تجاه فرنسا حية متلظية بتفاصيل الرصاص والدم، وإن نطقت لغتها وتحدثت بفلسفتها. ومالت أفريقيا إلى الشرق لتحقق الاستقلال، فحققت شكله، وبقيت في اللب مسوقة نحو فرنسا لا تستطيع فكاكا. وها هي الموجة الثالثة مصحوبة بقضايا متنوعة، فيها الثقافي والاقتصادي ماثلان، وفي المحصلة السياسي حاضر.

ثقافيا، تبدو الأجيال الشابة اليوم رافضة استمرار نمط علاقة الاستتباع قائما، في موجة صاحبها إدبار عن الفرنسية لغةً في مقابل الإنجليزية؛ وذلك لشيوع الأخيرة وانتشارها في العالم، والحاجة إلى كسر الحاجز بين هذه المناطق والعالم. أما اقتصاديا، فقد ضجر الأفارقة مما يخالونه استغلالا، متجهين إلى استغلال من نوع آخر أكثر نعومة ولطفا، لكنه يبقى استغلالا كذلك.

ومن جهة أخرى، فإن أفريقيا تترسم خطى فلسفية جديدة، فكتاب رئيس الوزراء الإثيوبي تحت عنوان "التآزر" -الذي يعكس فلسفته السياسية- يعد محاولة منه لبناء فلسفة أفريقية خالصة تحكم السياسة والدول. وهي محاولة لم يسبقها إلا كتابات "الزنوجة" وأدبها مع فانون وسيزير وسنغور، ومحاولة جوليوس نيريري الاشتراكية الأفريقية، وكلام مالك بن نبي عن الفكرة الأفريقية الآسيوية. وهي محاولات فكرية أدبية ينفرد عنها نيريري بمحاولته تحويلها إلى سياسات، وتبعه في ذلك آبي أحمد، وأظن هذه المقاربة هي الوحيدة القادرة اليوم على منح أفريقيا ما تريد.

والسبب جلي، إذ لا يكفيك عداؤك لطرف ما واستبدالك إياه بسواه -ليلعب دورا مماثل- عن القيام بواجبك تجاه ذاتك، واستنهاضك لقيمك، واحتمالات ثقافتك، واستكشاف ما فيها من ممكنات وطاقات، لتحولها إلى برامج عمل، فأنت وحدك سيد قرارك ونفسك، وصورتك عن ذاتك وعالمك هي ما يصوغ خطواتك، وبناء على تجربتك تدرك صوابك من خطئك.

إن تعلم درس الديمقراطية اقتضى من أفريقيا زمنا طويلا لتستكشفه. وفهم حقائق بناء الدول سيحتاج إلى رؤى جديدة، وتنازلات كبيرة، وخروج من روح القبلية إلى روح الحكمة التقليدية التي أثمرت تضميد جروح رواندا المجتمعية، ثم سياسات سمحت بنهضة اقتصادية واعية، ومواجهة للذاكرة وتصالحا معها، وكذا الأمر بالنسبة لإثيوبيا، التي خطت خطوات كبيرة نحو ترميم ذاكرتها وهويتها، وتقوية حركتها الاقتصادية.

إن وعي الذات بوجودها الفاعل، وانفعالها التالي بهذا الإدراك واتجاهها للبناء الذاتي، وصياغة معنى حضاري له، هو المخرج لأفريقيا ولعموم عالمنا الثالث، وبناء علاقات متكافئة مع الأطراف الأخرى.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة