نظّفوا أذهانكم

كثير من الخرافات والأساطير التي كانت تُعشّش في أدمغتنا -كما تُعشّش العناكب على جدران البيوت المهجورة والكهوف- تربت معنا في السرير (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

كان أحد معلمي اللغة العربية يتصف بالذكاء والحكمة والحلم وسرعة البديهة؛ يُلقي درسا أمام طلابه في الصف التاسع، وذلك قبل الاختبارات النهائية بأسابيع قليلة.

وأثناء الدرس قاطعه أحد الطلاب قائلا "يا أستاذ، اللغة العربية صعبة جدا"، وما كاد هذا الطالب أن ينتهي من كلامه حتى ضجّت القاعة بنفس الكلام من جميع الطلاب تقريبا، أصبحوا جميعهم كأنهم جبهة معارضة في وجه معلم اللغة العربية، فهذا يتكلم هناك وهذا يصرخ هنا وهذا يحاول إضاعة الوقت وهكذا حتى سكت المعلم قليلا ثم قال "حسنا لا نريد درس اليوم، وسأستبدل بالدرس لعبة جميلة لكم جميعا"، ففرح الطلاب.

رسم المعلم على السبورة زجاجة ذات عنق ضيق، ورسم بداخلها دجاجة، ثم قال "من يستطيع منكم أن يُخرج هذه الدجاجة من الزجاجة وله مكافأة مالية، بشرط ألا يكسر الزجاجة ولا يقتل الدجاجة؟".

بدأت محاولات الطلاب التي باءت جميعا بالإخفاق، فصرخ أحد الطلاب من آخر الفصل يائسا "يا أستاذ لا يمكن أن تخرج هذه الدجاجة إلا بكسر الزجاجة أو قتل الدجاجة".

فرد عليه المعلم قائلا "لا تستطيع خرق شروط اللعبة".

فقال الطالب متهكّما "إذن يا أستاذ قل لمن وضعها بداخل تلك الزجاجة أن يخرجها كما أدخلها، فضحك الطلاب جميعهم بصوت مرتفع، ولكن لم تدُم ضحكتهم طويلا، حتى قطعها صوت المعلم وهو يقول "صحيح، صحيح، هذه هي الإجابة، من وضع الدجاجة في الزجاجة هو وحده من يستطيع إخراجها، وهكذا أنتم أيها الطلاب، لقد وضعتم مفهوما خاطئا في عقولكم أن اللغة العربية صعبة، ومهما شرحت لكم وحاولت تبسيطها فلن أفلح إلا إذا أخرجتم هذا المفهوم بأنفسكم من رؤوسكم دون مساعدة كما وضعتموه بأنفسكم دون مساعدة"، ثم ألقى المعلم القلم وقال "انتهت الحصة".

ثم بعد ذلك -يقول المعلم- تفاجأت بتقدم ملحوظ للطلاب في الحصص التي بعدها، حتى إنهم تقبلوا الدروس قبولا سهلا يسيرا لم يتكرر من قبل.

فإذا كانت هذه هي قصة ذاك المعلم الذكي الحكيم، فعلينا أن نوجه السؤال لأنفسنا، كم دجاجة وضعناها نحن في الزجاجة؟

لا يوجد إذن أي شيء في هذه الدنيا اسمه "صعب"، فإذا أحكمنا حزام التوكّل، ثم بعد ذلك قمنا ببناء مفهوم في عقولنا وأذهاننا أنه لا صعب إلا ما رأيناه صعبا، ولا سهل إلا ما رأيناه سهلا، كل ذلك بإرادتنا وحدنا، والسهل سيكون سهلا يسيرا، وسننجزه دون أي عائق أو مشكلة، فكلّنا نستطيع أن نُخرج الدجاجة من الزجاجة بالطريقة التي أجابها الطالب المُتهكّم الذي كان يجلس في نهاية الفصل وبالطريقة التي أكّدها المعلم في تلك الحصة الدراسية الفارقة.

إن كثيرا من الخرافات والأساطير التي كانت تُعشّش في أدمغتنا -كما تُعشّش العناكب على جدران البيوت المهجورة والكهوف- تربت معنا في السرير، وكبرت وترعرعت وأصبحت ذات جذور عميقة في داخلنا؛ واكتشفنا لاحقا أنها مجرد "خزعبلات" وروايات وهمية لا أساس لها من الصحة ولا تمت للحقيقة ولا للواقع بصلة.

وإن ملايين الناس والبشر مُغيّبون عن الحقيقة والواقع، ليس بذنوب اقترفتها أياديهم، بل ترجمتها سلوكيات مرجعياتهم وكبارهم، هؤلاء الذين زرعوا في عقولهم مفاهيم مُتعطّلة، تحتاج إلى صيانة على سنوات طويلة لعلها تجبر عقود من الغياب والتيه.

لا تتخيلوا كم هي الهالة التي أخذتها قصة "الغولة" ورواية "أبو رجل مسلوخة"، في ذهني وعقلي ووجداني منذ أن كنت صغيرا حتى كبرت وفهمت. قصص كانوا يروونها لنا حتى يُخوّفوننا من الخروج ليلا في شوارع المخيم المظلمة، من باب حرصهم علينا وعلى سلامتنا.

أنا لا أدعو إلى حبس مشاعركم وأحاسيسكم تجاه الأشياء بغض النظر عن ماهيتها، لا وكلا، ولكنّي أدعو نفسي وإياكم إلى ضرورة الاحتكام إلى الصورة الواقعية والحقيقة لتلك الأشياء.

وعلى ذات القياس؛ أخرجوا الأساطير من عقولكم ونظّفوا أذهانكم من الوساوس والظنون و"الخربشات" التي تُنكّد عليكم وتشوّش تفكيركم، ولا تكونوا أسرى للدوامات الشاغلة للعقول، بل اكسروا الحواجز حتى يصير الصعب سهلا يسيرا لا مثيل له من القبول، فالحياة جميلة أكثر مما تتخيلون، تمتّعوا بجمال تفاصيلها قبل أن تغادروها إلى دار الآخرة، أمامكم أيام وشهور وسنوات وربما عقود طويلة من الأمل والعيش الجميل مع أحبابكم، فلا تحرموا أنفسكم ولا تحرموهم من جمال الدنيا وفساحة المستقبل، فالقرار في أياديكم.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة