الشمائل المحمدية في التعامل مع الفئات المجتمعية

blogs الرسول محمد
تقول أروى بنت عبد المطلب في رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وكنت رحيما هاديا ومعلما... ليبكِ عليك اليوم من كان باكيا" (رويترز)

 

يصلّي عليه المسلمون دوما مع أتمّ التسليم، إذ إن أطياف المجتمعات بفئاتها المختلفة لم تكن حفاوة في الدنيا لتشملها بمثل ما شملها به رسول الإسلام محبة ولطفا بهم وتقريبا للجميع، فكان ذلك مصدر هناءة فائقة للمجتمعات حينما تتأمل سيرة أفضل الخلق وحينما تستظل بهديه، فتجد من التكريم ما يرفد البرامج والقيم والسياسات تجاهها ليجني الناس ثمار ذلك حين يكون استلهاما للخصوصية الممنوحة من رسول الإسلام لكل فئة في المجتمع، بشكل يجعل كل دائرة مجتمعية عنصرا محوريا محاطا بكل العناية وله أتم الحقوق.

وبين فئات المجتمع، لا تعرف النساء أبرّ بهنّ ولا أكثر إكراما لهن من رسول الإسلام، وفي السيرة النبوية من النماذج ما يبرز مرتبة الخصوصية التي وجدتها النساء في الهدي النبوي، ففي التجمعات الرسمية العامة تبدو تلك الخصوصية التكريمية واضحة المعالم بكل جلاء، حيث يختم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة العامة في العيد، ولكنه يَهب النساء حُظوة خاصة بهن فيجيء إلى حيث يجلسن في أماكن الصلاة، ويسمعن منه، فتكتمل بذلك لهنّ فرحة العيد، وتمثل النساء بذلك رقما مركزيا في المجتمع حيث يَؤبْن وقد تأكّدن من هذه المكانة ونلن الخصوصية.

وعندما نقرأ المدح الذي كتبته نساء الصحابة عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم نرى أنهنّ استدعين القيم المرتبطة بحقوق المرأة وترسيخ الرسول عليه الصلاة والسلام لهذه الحقوق وحمايته لها حيث قالت أروى بنت عبد المطلب:

ألا يا رسول الله كنت رجاءنا

وكنت بنا برا ولم تك جافيا

وكنت رحيما هاديا ومعلما

ليبك عليك اليوم من كان باكيا

ولا يكاد عنصر مجتمعي يرى لنفسه الفضل بما لقيه في ظلال شمائل النبي الكريم، حتى يبدو فصيل مجتمعي آخر مكافئا لتلك الدرجة وقد نال بدوره خصوصية وتكريما عزّ نظيره؛ فالكل لدى خير الخلق أعِزّة مشرّفون، وهنا ستُغبط فئة الشباب وهي تجد من رسول الإسلام تقديما وتتويجا وإعلاء للشأن بشكل لا مثيل له، ففي شأن التوظيف والتكاليف الرسمية بالدولة، لمع نجم الشباب، فأوّل سفير دبلوماسي عيّنه النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام كان من فئة الشباب، وهو مصعب بن عمير، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم بَعثًا فيه كبار الصحابة وأمّر عليه أسامة بن زيد، وكان حدث السن لم يصل إلى الـ20 من العمر، وكما زكّاه الرسول عليه الصلاة والسلام حين نال إمرة الجيش، زكّاه كذلك بما جاء في الحديث من وصف أسامة "لخليق للإمارة.. فاستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم".

وأما بشأن عالَم الطفل، فأعظم درجة متخيّلة قد وقعت، حيث وُجد أن الطفل في الحقبة النبوية اختار نبي الإسلام والعيش معه بدل العيش مع والديه، وذلك ما حدث مع زيد بن حارثة، حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم "إن شئتَ فأقم عندي، وإن شئتَ فانطلق مع أبيك، فقال: بل أقيم عندك. فلم يزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله فصدقه وأسلم"، ولذا كانت شفقة رسول الله عليه الصلاة أعظم مما قال شوقي:

وإذا رحمت فأنت أم أو أب

هذان في الدنيا هما الرحماء

وفي ما يخص الطبقات في المجال العلمي والثقافي، نال الجميع تكريما خاصا من رسول الإسلام، ما يجعل كل طبقة أشد استعدادا للزهو، فالعلماء والفقهاء أحرزوا ما لم يحرزه أحد؛ فهم بنص الحديث النبوي "ورثة الأنبياء" فكانوا الأكثر نصيبا من ميراث النبوة وذلك مصدر العَلاء لهم.

كما وَجد ذوو الإبداع الثقافي أنفسهم في مرتبة خاصة لنيلهم تتويجا خاصا من الرسول الكريم؛ فقد حدّث عن مؤازرة الملائكة لشاعر الرسول صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت ونال كعب بن مالك تلك القولة العظيمة كما في الحديث "ما نسي ربك لك وما كان ربك نسيا بيتا قلته، قال ما هو؟ قال أنشده يا أبا بكر فقال:

زعمت سخينة أن ستغلب ربها

وليغلبن مغالب الغلاب

وما يزيد الشعراء زهوا ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام من الكلمات العطرة ذات الصلة بإنتاج الشعر والأدب "لا يفضض الله فاك" "إن من الشعر لحكمة"، فكانت هذه الكلمات النبوية الأيقونات الباهرة في هذا المجال، هذا كله إلى جانب الحفاوة العظيمة التي لقيها الشعراء لدى رسول الإسلام، ويكفي هذه الطبقة أهمية أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع للشعر منبرا في المسجد ينشد منه حسان بن ثابت منافحا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكانت كل هذه مزايا يرى بها الشعراء لهم مكانة عظيمة ضمن تشكيلة مجتمعية، كل فريق فيها يجد له خصوصية تجعله من التكريم بمكان.

كما أن ما ناله القطاع العسكري، يجعل منزلة الجهاد في درجة لا تضاهى، فكان القطاع العسكري ذروة التشريف ممثلا في الجهاد، فالممسكون بالزناد والجنود حماة الأوطان يشكلون الطبقة المحرزة للفضل الأوفى عندما تُستعرض الطبقات درجات الفضائل التي نالتها بالتكريم من النبي صلى الله عليه وسلم.

وحين استعراض الفئات المجتمعية والتكريم الذي حظيت به من نبي الإسلام؛ نجد أن الفئات ذات الصلة بالمجال الخدمي تشمخ وهي تتوّج بالخيرية الواردة في الحديث "ما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده"، كما تتنفس الصعداء تلك الطبقات التي يثير واقعها أكثر ما يتعلق بحقوق الإنسان، وتنال التكريم والتبجيل في معية الرسول الكريم، وقد قال أنس بن مالك:

"خدمتُ النّبيَّ صلّى الله عليه وسلَّم عشر سنين، فما أمرني بأمر فتوانيتُ عنه أو ضيّعتُه، فلامني"



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة