لباقة الحوار والحديث

1 بحسب خبيرة الاتيكيت زيانا تنوري فاننا في العالم العربي نعتبر المصافحة من التقاليد والأصول، والتخلي عنها يعتبر أمراً صعباً، وقد يسبب الإحراج
الحديث موهبة من الله تعالى كما أنه ميزة من ميزات الإنسان يستطيع بها إيصال الآراء والأفكار وإتقان صفقة رابحة (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

ذكرت في إحدى مقالاتي السابقة أن الإتيكيت بمنزلة ذلك البستان الكبير الذي يحوي العديد والعديد من الزهور و الورود المتعددة الألوان والأشكال والروائح الذكية، واسمحوا لي في هذه المقالة أن نقطف زهرة من ذلك البستان "بستان الإتيكيت"؛ تلك الزهرة في غاية الأهمية كونها من العوامل الحاسمة التي تحدد مدى نجاحنا أو إخفاقنا.

يعدّ الحديث وإجادته من ضرورات المجتمع المتحضر، ويتطلب فن الحديث متابعة المستمعين، والرغبة في سماع الحديث من خلال كل كلمة يقولها المتحدث.

كما يعدّ الحديث موهبة من الله تعالى، وهو من المواهب التي يستطيع الإنسان تنميتها وتطويرها -مما لا شك فيه- إذا اتّبع وتعلم فن الحديث ولباقته وآداب إدارة الحوار .

 

سهل أم صعب؟

ما من أحد يمكنه أن يقول إن التحدث بلباقة ولياقة وبطريقة ممتعة أمر سهل، فمنذ ما يزيد على 100 عام اعترف الكاتب والشاعر الأميركي "جماليل برادفورد" قائلًا "بطريقة ما وجدت أن التحدث يبعث على الاستياء الشديد، إنني لا أقول إطلاقًا الأشياء التي قصدت قولها، وبعد ذلك تؤرقني الأشياء التي كان ينبغي أن أقولها ولم أستطع قولها. أيبدو ذلك منطقيًّا؟".

تحضرني هنا قصة لطيفة، هي أنه ذات مرة سأل شخص صديقه قائلًا "كيف استطعت أن تصبح متحدثًا لبقًا؟ فأجاب الصديق "بالخبرة"، فسأله قائلًا "حقًّا؟ ومن أين لك بهذه الخبرة؟"،  فأجابه الصديق محتدًّا "من كوني متحدثًّا سيئًا".

ولكن دعونا هنا لا ننتظر تلك الخبرة ما دام في إمكاننا أن نستقي ونتعلم إتيكيت الحديث، ولنبدأ من حيث انتهى الآخرون ولنمتثل لقول ربنا عز وجل في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾ (سورة الأحزاب).

  • وقوله عز وجل أيضًا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ (سورة البقرة:83).
  • وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة الإسراء:53).
  • وكذلك وصية رسولنا الكريم لأمته حينما قال صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الطيبة صدقة".

 

خاطبوا الناس على قدر عقولهم

يستطيع الإنسان أن يحكم على شخص وعلى مستوى تعليمه، وثقافته، وأسلوب حياته، والوسط الاجتماعي الذي ينتمي إليه من حديثه ومن نبرات صوت. وفي المجتمع العربي هناك من يتحدثون بلغة المثقفين وآخرون لا يتخلّون عن لهجاتهم المحلية، وبين هذه وتلك عشرات اللهجات، وكذلك الحال في الحضارة الغربية.

ونتيجة لذلك؛ ينبغي تجنب استخدام المصطلحات الخاصة بفئات اجتماعية معينة، لأنها غالبًا ما تحمل مدلولات يقتصر استعمالها على تلك الفئات الاجتماعية، وفي حالات خاصة، ومن الأسلم استخدام اللغة الصحيحة والسهلة، إلا إذا كنت ضليعًا وتعرف تاريخ وأسرار اللغة التي تتحدث بها، عندئذ لا شك أنك تعرف الكلمات الثقيلة التي يجب تجنبها وتستطيع أن تختار الكلمات والمصطلحات التي يقبلها المجتمع، والمكان الذي تتحدث فيه، ودائمًا خاطب من أمامك بكلام يستطيعون فهم معناه وتبلغه عقولهم ولا تخاطبهم بالصعب الذي لا يدركون معناه.

 

إدارة الحديث

عندما يدار الحديث بين مجموعة من الناس ستكتشف أن هناك فروقًا كبيرة، وأن إدارة النقاش فن يزداد تعقيدًا بزيادة عدد المشتركين فيه، وأن الأكثر ثقافة واطلاعًا هو الأكثر قدرة على إدارة الحديث.

وتوجد بعض الحالات لا يستطيع فيها الإنسان أن يطلق لحديثه العنان فيقول ما شاء الله له أن يقول، بخاصة عندما يكون في اجتماع يضم أفكارًا متنوعة، وأعمارًا مختلفة، فاختيار موضوع الحديث في هذه الحالة ينبغي أن يراعى فيه اختلاف الأذواق، ولا داعي للحديث في موضوع متخصص لا يلمّ به بقية الحاضرون أو لا يستهويهم، ومن المحظور تطبيق مثل هذه القاعدة وحصرها على حضارة أو مجتمع بعينه، فهي من آداب كل المجتمعات.

وقد يشاركك الإنسان الشرقي في بعض آلامك أو مشكلاتك إذا حدثته عنها، أما الإنسان الغربي فسيطلب منك صراحة أن تعرض متاعبك على والديك أو زوجتك أو أبنائك الكبار أو الطبيب النفسي أو أقل شيء أنه لن يتفاعل معك، وذلك يرجع بالتأكيد إلى اختلاف الثقافات بين الشعوب.

 

آداب الحديث

قلنا إن الحديث هو موهبة من الله تعالى كما أنه ميزة من ميزات الإنسان يستطيع بها إيصال الآراء والأفكار، وإتقان صفقة رابحة، أو بذر كلمة مشجعة ومنشطة تكون بمنزلة وقود لإنسان محبط أو يائس مثلًا، والدفاع عن حق وعدالة، وخير، ووطن..

هناك 3 مواضيع يجب ألا تكون مدار الحديث إلا بين الأصدقاء الحميمين: السياسة، والدين، والشؤون المنزلية. والقصد من تحذير المتحدثين بتبادل هذه المواضيع هو تجنب الاصطدام بينهم في الموضوعين الأوليين، وتجنب إزعاج الناس بأمور لا تهمهم في الموضوع الأخير؛ يقول أرسطو "ليست الشجاعة أن تقول كل ما تعتقد، بل الشجاعة أن تعتقد كل ما تقوله".

  • يجب أن تتنازل عن الكلام لمن هو أكبر منك سنًّا.
  • يجب أن تولي محدثيك الانتباه الذي تود أن يولوك إياه.
  • يجب ألا تجزم بآرائك وميولك جزمًا قاطعًا قاسي اللهجة.
  • لا تقل "هو" أو "هي" عن شخص ثالث موجود بين المتحدثين.
  • تجنب الحديث الطويل عن نفسك، وعن مآثرك، وعن نجاحك، أو إخفاقك، وعن صحتك أو مرضك إلا إذا اقتضى الأمر أو الموقف ذلك.
  • لا تتبادل مع بعض الحاضرين نظرات فيها غمز بالآخرين واعتداد بالنفس.
  • لا ضرورة لتصحيح بعض الأخطاء إذا كانت لا تؤذي أحدًا، ولا تقل لمن أخطأ " أنت مخطئ" بل قل " قد تكون على صواب أما أنا فأظن..".

 

أثناء الحديث

انظر إلى الذي تتحدث معه، وإذا كنت تتحدث مع مجموعة وزّع النظر على الجميع فلا تركّز على شخص وتهمل الآخرين.

  • تحدث بصوت معتدل وواضح وبهدوء.
  • استمع ضعف ما تتكلم، فلقد خلق الله لنا أذنين وفما واحدا.
  • لا تكذّب المتحدث مهما كنت متأكدًا من ذلك.
  • لا تجادل.. وحافظ على مشاعر الآخرين، واختر كلماتك بعناية.
  • لكي تصبح متحدثًا بارعًا.. كن مستمعًا طيبًا وشجّع محدثك على الكلام عن نفسه.

وأخيرًا: إذا أردت أن يسرّ بك الناس فتكلم في ما يسرّهم ويلذ لهم ويستهويهم.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة