"النفط الأخضر" يروي ظمأ الفلسطينيين

4-أسيل جندي، وادي الربابة، سلوان، القدس، المسن المقدسي عمر سمرين يقطف الزيتون من أرضه المهددة بالسرقة والمصادرة لصالح إقامة مسارات سياحية توراتية(الجزيرة نت).JPG
يزيد اهتمام الإنسان الفلسطيني بموسم الزيتون لما لهذه الشجرة المباركة من أهمية كبيرة، فهي جزء كبير من ارتباطه بأرضه التي رويت بدماء الشهداء وأوجاع الأسرى (الجزيرة)

كل شيء في فلسطين له طعم مختلف، ورغم قبح الاحتلال فإنها ترسم جمال خضرتها وتجني حبات زيتونها الخضراء بكثير من الفرح. أقرب ما يكون المشهد إلى عرس تجلس به الجدة وترتدي ثوبها الجميل المطرز بالتراث الفلسطيني الذي يزيدها عزة وفخرا بارتباطها بكل شيء يربطها بالوطن، ويجلس حواليها الأبناء والأحفاد بالقرب من شجر الزيتون، بعد أن فرشت على ترابه الطاهرة قطعا من الشراشف البلاستيكية؛ من أجل أن تتساقط عليها حبات الزيتون كلما هز نجلها أغصان الزيتون فيسهل جمعها بأنامل الجدة والأحفاد.

ولا تنسى الجدة أن ترفق معها سلتها التي تحمل الكثير من الحب بكل قطعة حلوى وكوب من الشاي ذي النكهة التي تأخذ به الأنفاس بشهيق عميق برائحة النعنع، والخبز الساخن الطازج الذي أعدته بأناملها الحنونة، كما تحمل سلتها قطع الجبن الأبيض كنقاء قلبها، وزجاجة من زيت الزيتون والزعتر وحبات البندورة الحمراء والخيار، ومناقيش (معجنات) الزعتر والزيت التي يحبها الكبير والصغيرة.

هذا المشهد يتكرر كل عام بجماله، ورغم قبح الحصار ووجعه فإن الفلسطينيين يجعلون من مواسم الحصاد عزيمة تزيدهم ثباتا على أرضهم، فهم يحرصون على زراعة شجر الزيتون ليس في الأراضي الزراعية للمنازل فحسب؛ بل في الجامعات والمدارس وبساحات المساجد، والكثير منها داخل حرم المسجد الأقصى المبارك، فهي الشجرة المباركة التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا الزيت وادهنوا به  فإنه من شجرة مباركة".

والجميل أن موسم الحصاد يكون غالبا بأجواء عائلية تحرص من خلالها الأسرة الفلسطينية على اصطحاب كافة أفراد العائلة من الجدة إلى أصغر حفيد، فكل واحد منهم له دور في المساعدة في ساعات عمل غالبا تبدأ منذ شروق شمس الصباح إلى غروبها.

وتعمل الجدة على تجميع حبات الزيتون التي تأخذ لونا جميلا بانعكاس أشعة الشمس عليها، وتضعها في علب من البلاستيك حتى تعدها للغسل من أجل إعداد الزيتون للأكل، وجزء منها يكون له نصيب في رحلة المعصرة التي تحتضن حباتها فتكون زيتا أخضر نقيا بنقاء حب الفلسطينيين لأرضهم والدفاع عنها.

ويزيد اهتمام الإنسان الفلسطيني بموسم الزيتون لما لهذه الشجرة المباركة من أهمية كبيرة، فهي جزء كبير من ارتباطه بأرضه التي رويت بدماء الشهداء وأوجاع الأسرى.

هي شجرة مباركة ذكرها الله تعالى في قوله: "والتين والزيتون" (التين: 1)، ولقد فسر بعض العلماء أن المقصود بكلمة "الزيتون" في هذه الآية الكريمة هي بيت المقدس، فعن يزيد أبي عبد الله، عن كعب أنه قال في قول الله تعالى: "والتين والزيتون"، قال: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس.

وبذلك يوجد ارتباط وثيق بين بيت المقدس وشجر الزيتون، فهي ليست أرضا فحسب؛ بل هي عقيدة ودين قبل أن تكون وطنا وطينا.

ورحم الله تعالى قارئا دعا لي ولوالدي بالعفو والمغفرة، "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (يوسف: 21).



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة