دليلك الشامل لصناعة الدكتاتور!

لوحة بعنوان " الديكتاتور" تجسد تعامل الزعماء مع الرعايا
يظهر ذلك حين يتفرد الحاكم بكل شيء من سلطة تنفيذية إلى تشريعية فقضائية وذلك بحجة الحفاظ على الأمن والأمان وضمان استقرار البلاد (الجزيرة)

 

في عام 1972م كانت رومانيا على موعد مع صعود نجم "نيقولا تشاوشيسكو" الذي عمل في بداياته إسكافيا (صانع أحذية)، ثم انخرط في الحزب الشيوعي المناهض للفاشية، إلى أن صار السكرتير العام للحزب الشيوعي الروماني. وفي تلك الحقبة كانت الجهات الإعلامية كلها تقف بجانبه، وهي التي خدمته بصحفها وجرائدها، وصوّرته في هيئة المسيح المخلص، صانعة له قناعا يرتديه أمام العامة، وما إن قفز إلى السلطة في العام المشار إليه أول المقال، حتى خلع عن وجهه القناع ليظهر الغول، ويكفي أن أقول لك إنه حظر امتلاك آلة كاتبة من دون ترخيص رسمي، فما بالك بما دون ذلك!

وبعد 10 أعوام وبالتحديد عام 1983م (بعد أن كان قد عيّن عائلته كلها في مناصب مهمة، ابتداء من زوجته "إيلينا" إلى جميع إخوته)، ادّعى أن هناك محاولة انقلاب فاشلة خططت للإطاحة به، لكنه تصدّى لها وقضى عليها قبل حدوثها، واتخذ من ذلك الادّعاء حجة للاستبداد في الحكم، فبحلول عام 1989م كان أن جمع صبي الإسكافي في يديه كل السلطات؛ كان رئيسا للدولة، ورئيسا للحزب الحاكم، وقائدا أعلى للقوات المسلحة، بجانب رئاسته للعديد من المناصب العليا الأخرى. وبفضل سياساته كان هناك 15 ألف روماني يموتون سنويا بسبب برنامج التقشف المفروض من جهته، الذي قدمه الإعلام على أنه الحل الأمثل للمشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلاد.

ولما انطلقت مظاهرات ضده وأذيعت مباشرة على التلفاز.. قطع البث فجأة! وقام الطاغية الروماني بإصدار أوامر لقائد جيشه بأن يطلق النار على الحشود الغفيرة المحتشدة في الميادين، فرفض قائد الجيش، فكان مصيره أن يعدم لعصيانه الأوامر بتهمة الخيانة.

ولما اشتدت حدة المظاهرات الرافضة له ولحكمه، حاول "نيقولا" الهرب هو وزوجته وجميع أفراد العائلة، ولكن سرعان ما سقطوا بيد الناس وعرضوا على المحكمة العسكرية، التي أقرّت بإعدامه آخر المطاف. وبغض النظر عن كيفية سقوط الطاغية، وإشاعات التآمر حوله، ولكن، نحن هنا في صدد صعوده.. فكيف صنع الشعب الروماني هذا الطاغية؟ أو كيف يصنع الشعب طاغية بنفسه؟

والمسألة -بعيدا عن التحليلات الفلسفية المعقدة- بسيطة جدا، فالدكتاتور يظهر أثناء الصمت والحاجة؛ والصمت هنا يعني الجهل، والحاجة تعني الفقر. وانطلاقا من المبدأ القائل "إننا نحن من نصنع للأشياء قيمتها"، فنحن إذن من نصنع الدكتاتور، فهو صنيعتنا، وهذا ليس بغريب عنا!

خطوات الصناعة:

إليك بعض النقاط التي من خلالها تعرف أن بلادك أو بلاد الآخرين على موعد مع بزوغ نجم طاغية جديد:

  • الانفراد

ويظهر ذلك حين يتفرّد الحاكم بكل شيء؛ من سلطة تنفيذية إلى تشريعية فقضائية، وذلك بحجة الحفاظ على الأمن والأمان وضمان استقرار البلاد. ودائما ما تتجلى الحجج التبريرية في مرحلة الانفراد والتفرد، وقد يبلغ الأمر بالحاكم أن يرى في نفسه -وقد ملك رقاب الناس وهم سكوت- إلها، فيدّعي الربوبية كفرعون أو كـ"عيدي آمين دادا" حاكم أوغندا في زمن قريب.

 

  • خلق عدو وهمي

هل سألت نفسك ذات مرة: أين تنبت خصال الطاغية؟

في مخيلة المحكوم بكل تأكيد

فهل تساءلت: كيف يظل الطاغية حاضرا؟

من خلال الخوف

فالطاغية لا يبقى إلا من خلال خوف الرعية، وليبقى الطاغية عليه أن يدرك أن بقاءه من بقاء خوفهم، فيلعب بذلك العنصر كلاعب شطرنج يحرك الأحجار في الميدان، فيختلق عدوا وهميا لا يراه أحد سواه؛ إما في الداخل أو الخارج. المهم، أن يبقى الناس تحت ظله حيث الأمان!

  • رجال الدين

في ممالك الطغاة، إذا اجتمع رجل دين وسياسة، فاعلم أن رجل الدين مدلس وبلغة أخرى "شيخ سلطان"، ورجل السياسة طاغية. وعالمنا العربي بل الإسلامي برمّته مبتلى بمشايخ السلطان أو بتعبير الجبرتي "مشايخ الوقت" الذين يقفون بجانب الطغاة. وهؤلاء الآن صاروا هم السبب الأول وراء إلحاد الشباب، الشباب المساكين الذين يحاولون البحث عن الحقيقة، ولكن الصدمة هي مصيرهم الوحيد، وقد قال عمر بن الخطاب:

وهل أفسد الدين إلا كل منافق عليم

وقد قال عبد الله بن المبارك في ذلك:

وهل أفسد الدين إلا الملوك ** وأحبار سوء ورهبانها

فباعوا النفوس ولمْ يربحوا ** ولمْ تغل في البيع أثمانها

  • المكايدات بين الإخوة

ما أبرع دولنا العربية في ذلك، دولنا تمارس الموهبة الوحيدة لدى المرأة، وهي المكايدة، فينطلق حكامنا يكيدون لبعضهم، فترى -مثلا- حكومة تعلي من قيمة معارضي دولة أخرى، في حين تكمّ أفواه معارضيها، وتراها تحتضن إعلاميين وشخصيات عامة اتهمت بالإساءة إلى دول أخرى، فتضمهم تحت جناحيها، ليس لخبرتهم ومكانتهم، لكنها تكيد لشقيقتها فحسب.

واعجبي من حالنا!

  • الإعلام والمصادفات

على الإعلام أن يضع قناعا للطاغية يرتديه أمام العوام، يظهره ذلك القناع بطلا شعبيا محبوبا، فيحلم الشباب أن يصيروا مثله، وتبدأ الفتيات ينظرن إليه أنه فارس أحلامهن، بل الأغرب من ذلك أن يعدّه الصغار أبا لهم.

وحين ينشب حريق في مكان ما "مشفى أو مبنى"، على الحاكم أن يسرع بسرعة بالكاميرات وعناصر الأمن ورجال الحراسة خاصته (الذين قد يضاهون في أعدادهم أعداد المصابين داخل المشفى)، وكل ذلك حتى تلتقط الكاميرات الصورة تحت عنوان "ملكنا العظيم أو رئيسنا الشجاع.. أو الرجل الإنسان أو البطل الخارق الذي هزم سوبرمان".

  • الفكاهة والطبل والزمر

على الحاكم وإن كان ثقيل الظل أن يقول النكات ويضحك عليها، وعلى الحاشية أن تضحك على نكاته، وما دام الضحك معديا، فمن ثم سيضحك الشعب كله.. على آلامه يضحك!

المهم أن يقال "أضحك الله مولانا الملك!"

  • البروباغندا (الاحتفال بالإنجازات قبل حدوثها)

والقارئ العربي أعلم الناس بهذا، فلن أضيع وقتك في شرح تلك النقطة.

الخلاصة، لو توفرت تلك النقاط في أي حاكم عندك، فهنيئا لك، صرت مملوكا لدكتاتور صنعه إعلامك أثناء سكوتك.

 

في الختام

ليس بوسعي أن أقول لك شيئا بعد تلك النقاط، لكن في نفسي ما أود البوح به..

نحن ننظر إلى أحزان قوم وهمومهم فنحسب أن همومنا بالقليلة، وذلك لأن الأحزان صارت لنا عادة. ليس التشرذم هو السبب في ما نحن فيه وحسب، بل تعنّتنا أيضا، تلك الأمة التي تنظر نحو العالم الآخر كعلاج دائم.. ماذا تنتظر منها؟ أمة ميتة تطلب وتتمنى الموت قبل وقته، يتمنون أن يموتوا قبل أن يعيشوا، لم يحاولوا حتى أن ينالوا شرف الحياة، فالحياة لا تعطي شرفها إلا لمن يستحقه، أما ما سوى ذلك، فالحياة تأبى أن تسلم نفسها لإنسان يباغتها بالنفور والكره، فالحياة كما المرأة التي تحتاج إلى من يهتم بها ويحبها ويدللها، لا من يهجرها وينفر منها ظانا أن ذلك يعدّ زهدا.

فإياك أن تطلب العدالة والرحمة من الحياة، فلن تهديك إياهما، فماذا تنتظر منها أن تعطيك.. وأنت بخيل لا تعطيها في المقابل شيئا؟!

وقد صدق أبو القاسم الشابي حين قال:

ومن يتهيب صعود الجبال ** يعشْ أبد الدهر بين الحفر

فعجت بقلبي دماء الشباب ** وضجت بصدري رياح أخر



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة