لماذا فازت السلحفاة وخسر الأرنب؟

الحصار الخانق جعل مهنة الزراعة صعبة جداً والوباء زاد الأمر صعوبة وأتعب المزارعين/فلسطين/جنوب قطاع غزة/ بلدة خزاعة.
الحصار الخانق جعل مهنة الزراعة صعبة جدا والوباء زاد الأمر صعوبة وأتعب المزارعين في فلسطين ببلدة خزاعة جنوبي قطاع غزة (الجزيرة)

دائما ما كانت جدّتي تقصّ علينا حكاية الأرنب والسلحفاة، ولا تمانع من إعادة سردها علينا كلما سنحت لنا فرصة المبيت عندها؛ فقد كانت لجدتي الحصة الأكبر من حكايات الشتاء وقصصه، ولاتنسى جدتي وربما بالفطرة أن توظّف القصة في التطرق إلى ما قد نستفيده منها من عبر قد تفيدنا في حياتنا، فكانت من باب المربي المشفق علينا تداعب مشاعرنا ببعض العبارات والدلالات التي تدفعنا إلى مزيد من الإنصات والتركيز والتفكر.

فكانت جدتي تحكي لنا أنه كان (يا ما كان) في قديم الزمان سلحفاة وأرنب، وكان بينهما جدل حول من يكون أسرع بالوصول إلى الهدف والفوز، فقررا أن يحسما الأمر بسباق فازت فيه السلحفاة على الأرنب؛ فكان الأمر مدهشا وغريبا لأن السلحفاة بطيئة الحركة بسب ثقلها والأرنب الذي يتميز بالسرعة خسر السباق.

كانت علامات الدهشة والاستغراب تعلو ملامح وجوهنا الطفولية؛ فما كان من جدتي إلا أن تبتسم ابتسامة لطيفة ممزوجة بالحنان المتدفق من جمال عينيها لتبدأ بعد ذلك توضيح مغزى هذه القصة التي تربّت عليها قديما؛ ألا وهو أن صاحب الإصرار والعزيمة يفوز حتى لو كان بطيئا. صحيح أن الأرنب يتفوق على السلحفاة في السرعة، ولكن السلحفاة كانت تملك ميزة خفية ألا وهي العزيمة والإصرار اللذان دفعاها إلى الفوز؛ فبطيء وثابت أفضل من سريع متراخ.

كبرنا يا جدتي وأصبحت لدينا دلالات أخرى للقصة؛ دلالات تتعلق بترتيب الأولويات والموازنة ما بين متطلبات الحياة اليومية والتمسك بالثوابت الأساسية والحقوق الوطنية.

فالأرنب اختار الأولوية بتحقيق بعض متطلباته الحياتية اليومية، ففضّل الحصول على بعض الراحة وبضع جزرات جلس يستمتع بأكلهن وبضع نسمات من الهواء يستمتع باستنشاقهن ولم يضع بباله الهدف الإستراتيجي والأساسي في تحقيق الفوز فقد أضاع البوصلة.

وبالمقابل؛ فإن السلحفاة رغم بطئها وثقل قوقعتها التي تحملها على ظهرها تحدّت الصعاب وأجّلت راحتها وتحملت جوعها وتعبها في سبيل تحقيق هدف إستراتيجي أساسي وضعته أمامها، جاهدت وكافحت وناضلت من أجل الحصول على هدفها بالنصر والفوز وتحقيق كرامتها أولا ثم بعدئذ تكون الراحة، فكانت الأولوية عندها تحقيق الهدف الأساس قبل المتطلب.

ما أشبه القصة بواقعنا اليوم، في ظل الحصار المفروض على أهلنا بغزة؛ فهم يواجهون صعوبة الحياة والحصول على متطلباتها، في ظل انهيار الوضع الاقتصادي وتفاقم الأزمة الإنسانية جراء الحصار والعدوان الإسرائيلي، من خلال تشديده الحصار الذي يحرم به المواطن الفلسطيني من لقمة العيش، وأطفاله من جرعة الحليب أو الدواء؛ وذلك لدفع المواطن الفلسطيني نحو التفكير فقط في حياته اليومية، وصرفه عن الاهتمام بقضاياه المصيرية ودفعه إلى التخلي عن ثوابته الوطنية الأساسية.

فتأتي بعض الأصوات المرجفة لتعلو مطالبة المقاومة الفلسطينية بتوفير لقمة العيش أولا وبعض من الراحة، فالطريق طويل ولم الاستعجال؟ وليس هذا وحسب، بل تأتي بالنهاية لتحمّل المقاومة مسؤولية تردّي الأوضاع، وكأنها تريد أن تقول "فليكن هناك كثير من التنازلات وكثير من الخبز"؛ فكان فعل القيادة الفلسطينية التي تنتهج نهج التفاوض السلمي مثل فعل الأرنب، فها قد مر ما يقارب 3 عقود من الزمن بتقديم كثير من التنازلات والتنسيقات الأمنية ومهزلة ما تسمى بمعاهدات السلام مقابل بعض من الراحة تحت مبدأ الرفاهية تحت الاحتلال؛ ولم تجن شيئا على الأرض سوى تضييع الحقوق الوطنية والتنازل عن الثوابت، وذلك يجعل خيارات الخروج من هذا المأزق محدودة وصعبة بخاصة في ظل وجود قيادة تخلّت عن هدفها الإستراتيجي بالتحرير.

وما أشبه المقاومة الفلسطينية اليوم في ترتيب أولوياتها بفعل السلحفاة حين تحفر الصخر تتحدى الصعاب وسنوات الحصار، وتعمل على تقوية شوكتها، وتستمد قوتها وعزيمتها وإصرارها من إيمانها بوعد الآخرة وثبات عقيدتها من خلال وضع هدفها الوطني الأساسي والإستراتيجي بالنصر والتحرير وطرد المحتل المعتدي واستعادة القدس أولوية. وكلنا شاهدنا ولمسنا فعلها المؤثر على الأرض وفرض معادلتها بقوة الردع؛ ومعركة سيف القدس الأخيرة خير شاهد ودليل، فشعار المرحلة الحالية "كثير من المقاومة وقليل من الخبز"، فلا راحة ما دام المحتل موجودا وما دامت القدس مغتصبة.

فهكذا يصبح لقصة الأرنب والسلحفاة مفهوم ورؤية جديدة؛ لماذا فازت السلحفاة وخسر الأرنب؟ من زاوية ترتيب الأولويات بين المتطلب والأساس؛ فيا جدتي كنت أتمنى أن أتمكن من سرد القصة عليك بدلالاتها الجديدة، رحمك الله رحمة واسعة، فيا رب بقدر حبي لها برّد قبرها وارزقها جنات النعيم يا رب العالمين.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة