لص يطرق باب الأمل

blogs - التوبة
على المسلم ألا يعمل على تأجيل توبته مهما كانت الأسباب فقد يأتي الموت عليه قبل أن يُعلن توبته (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

كلما أرد أن يُقدم على طرق باب التوبة ترتجف أنامله حينما يتذكر عظم جرمه بالاعتداء على حقوق العباد بسرقة أموالهم بوسائل مُختلفة، وذلك يجعله في حيرة من كيفية التوبة وذمته معلق بها كثير من الأموال التي يجهل أصحابها، فكيف يكون له الخلاص من تلك الذنوب التي أرّقت مضجعه وأبكت عينيه؟!

قبل الحديث بالإجابة عن كيفية التوبة سواء من السرقة وغيرها لا بد أن نتذكر جميعًا رحمة الله تعالى بعباده لقوله تعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الحجر:49)، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر: 53)، وأن باب التوبة مفتوح للمذنب مهما كان ذنبه لكنها يجب أن تكون قبل فوات وقتها، أي أن تكون في الوقت الذي تُقبل فيه، فإن فات الوقت لم تنفع التوبة، ويفوت الوقت إذا أشرقت الشمس من المغرب، كما تفوت إذا حضر الإنسان الموت، فإنه بذلك لا توبة، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (النساء: 18).

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): " إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ"، والمقصود بـ" يُغَرْغِرْ" أي بلوغ الروح الحلقوم، والمراد تحقق الموت.

وبذلك؛ فعلى المسلم ألا يعمل على تأجيل توبته مهما كانت الأسباب، فقد يأتي الموت عليه قبل أن يُعلن توبته، ولذلك عليه أن يسرع في المبادرة إلى التوبة الصادقة الخالصة لله تعالى، وليتذكر قوله عز وجل في كتابه العزيز: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ (الشوى:25).

 

حقوق العباد

وعند النظر إلى القواعد الفقهية بخاصة الشهيرة منها في الشريعة الإسلامية فإن (حقوق الله تعالى مبنيّة على المسامحة).

وعند التأمل في ذلك سيكون في الأمر رحمة وفضل من الله تعالى على عباده، فالمراد بهذه القاعدة أن ما يلزم المكلف من حقوق الله سبحانه وتعالى فإن مبناها على المسامحة بحيث إذا شقّ على المكلف أداء ذلك الحق مشقّة مُعتبرة سقط عنه من الحق بقدر تلك المشقة؛ لأن الله تعالى لا يلحقه ضرر بنقصان تلك الحقوق، أو عدم أدائها.

وفي النظر إلى حقوق العباد فإن الأمر مُختلف كليًّا، فمن القواعد الفقهية المشهورة في ذلك أن (حقوق العباد مبنية على المشاحّة والمطالبة)، ويرجع ذلك إلى حاجة الناس إليها.

وبذلك فإن السرقة فيها حقوق للعباد مبنية على المشاحة، لكن السؤال الذي يراود بعض الناس هو: كيف السبيل إلى التوبة؟

لا بد من التذكير بأن التوبة من الذنوب لها 3 شروط تتمثل في: ترك الذنب، وندم القلب، والعزم على ألا يعود إلى هذا الذنب، وهذه الشروط الثلاثة واجبة في التوبة من جميع الذنوب سواء أتعلقت بحق الله تعالى أم تعلقت بحقوق العباد.

ويضاف إلى ما سبق من الشروط شرط رابع في حال التوبة من الذنوب المتعلقة بالعدوان على حقوق العباد، وبذلك فعلى التائب أن يعمل على رد الحق إلى صاحبه ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

 

التصدق بالمال

ولا يشترط من التائب إذا ردّ المال لصاحبه أن يخبره أنه قد سرقه منه حيث إنه من الممكن أن يُرد المال لصاحبه خُفية.

وإذا عجز التائب عن رد المال لصاحبه فقد يكون لا يعلم من هو صاحب المال، أو أنه لا يعلم أين هو صاحب المال وليس له ورثة بحيث يكون إرجاع المال لصاحبه محالا، فإن التائب يعمل على إخراج المال بنية الصدقة عن صاحب المال وليس عن نفسه، أي ليس عن التائب.

 

معاملة محرّمة

ولكن رغم ما سبق فإن المال لا يعاد في كل الحالات بعد التوبة، فمنها الحصول على المال بمعاملة محرّمة ومثال ذلك أن يكون التائب قد عمل عرّافا -قراءة الفنجان وغيرها- وأخذ من رجل أو امرأة مالا مقابل ذلك فإنه في هذه الحالة لا يعمل على إرجاع المال للشخص الذي أخذه منه؛ إنما يتخلص منه بإنفاقه في وجه الخير بنية التخلص منه، وليس بنية الصدقة.

وإن لم يعلم كم هو مقدار المال فإنه يجتهد قدر المستطاع وما يغلب على ظنه يعمل على إخراجه (والله أعلى وأعلم).

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي بالعفو والمغفرة ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).

 

المصادر

  • شرح رياض الصالحين لمحمد بن صالح العثيمين.
  • الجامع الصحيح للسنن والمسانيد لصهيب عبد الجبار.
  • موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان لنور الدين علي الهيثمي.
  • الشرح الكبير على متن المقنع لعبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي.
  • فتوى لعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين د.محمد سليمان الفرا.


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة