خدعوك وقالوا: أزمتنا أزمة أخلاق!

ميدان - الشر والخير وسواس أخلاق البشر شياطين
الإنسان كائن واعٍ وبدون أخلاقه ينحدر عائدًا لمصاف الحيوانات (مواقع التواصل)

من هو الإنسان؟ إننا حين نطرح ذلك السؤال سَرعان ما يتبادر إلى أذهاننا ذلك الكائن البيولوجي الناتج عن تطور سلسلة من الكائنات الأعلى درجة في السلم التطوري، ولكن الإنسان غير ذلك، فقديمًا قال أرسطو "الإنسان حيوان ناطق" ثم قيل "الإنسان حيوان ضاحك" فأيًا ما كان الاختلاف بين المصطلحين، فإنه لا يزال حيوانًا، لكن ما يُميزه عن باقي الحيوانات تلك المرحلة الشعورية، والتي يعيّ معها ما يدور حوله.

وذلك الوعي المُشار إليه، هو السر وراء كون الإنسان إنسانًا. لكن يدفعنا ذلك إلى سؤال آخر: ما هو الوعي؟

الوعي في أبسط صوره: هو إدراك الفرد لذاته ولكل ما يُحيط حوله، فأنت تعيّ بأنك موجود، إذن أنت كائن مفكر وواعٍ، إذن أنت حُر في طريقة وأسلوب وعيك، إذن أنت مسؤول بشكل أساسي عن وعيك هذا، والذي سيأخذ فيما بعد شكلًا حركيًا بفعل وعمل، تُعبر من خلالهما عن وعيك هذا.

ولتنظيم ذلك الوعي وأسلوبه، كان لابد من وجود منظومة لا تحدها أي قوانين، وإنما هي منظومة -حسب رأيي- نابعة من شخص الإنسان، أي الأخلاق، تلك المنظومة الأخلاقية تجدها عابرة لكل الأديان والفلسفات، فلا تجد دينًا إلا ويُعزز الخير وينبذ الشر، ولا تجد أسطورة دينية إلا وتتمحور حول معضلة الأخلاق (الخير والشر). وفي الفلسفة، للأخلاق قسم خاص من ضمن فلسفة القيم الأيكولوجي والذي يبحث في معنى الإنسان وقيمة أفعاله.

وبالتالي فالإنسان كائن واعٍ، والدليل على وعيه أخلاقه، فبدون أخلاقه صار صنمًا، أو انحدر عائدًا لمصاف الحيوانات مرة أُخرى، وقد صدق قول الرافعي حينما قال:

ولا تعدُ أخلاق الكرام فإنما .. بأخلاقهِ الإنسانُ قد صار إنسانا

فالإنسان إنسان بأخلاقه، وليس بشكله وماله وملابسه:

والمرءُ إن كانْ إنساناً بزينتهِ .. فإنَّما هو بينَ الناسِ تمثَالُ

 

الاستبداد ومصير الأخلاق

فعندما تبدأ النُخب الحاكمة في الاستبداد، وتنفرد بالسلطة عن الناس، يسود الظلم، وأساس الظلم غياب العدالة الاجتماعية، ولمّا تغيب العدالة، يتفشى الفقر كالنار في الهشيم، ولمّا يتفشى الفقر، تكثر المظالم ويضيق الناس ذرعًا، فيأخذ الواحد منهم في البحث عن مخرج لغضبه الفائر، فيكون الغضب وضيق الخلق هما الركيزتان الأساسيتان لهذا الشخص، فتكثر الاعتداءات، وتغيب الأخلاق.. والعلة في الاستبداد!

فإن نظرت في كتاب "طبائع الاستبداد" لعبد الرحمن الكواكبي رحمه الله، تراه يخلص إلى أن الاستبداد شر الشرور، فالأمة التي ترتفع فيها وتيرة الاستبداد، تغيب معها العدالة، ويسود الفقر والجهل، وتكثر المظالم، فتفسد أخلاق الرعية، باحثين عن متنفس وحياة وملاذ آخر يُنجيهم من ظلم نخبهم الحاكمة.

فرأس الأفعى هو المُشكلة وليس الذيل، فعلاج أزمة الأخلاق، يكون في علاج الاستبداد، وعلاج الاستبداد أساسه في العدل، أي عدالة التوزيع؛ سواء للفرص أو الثروات، فقد قال الإمام جمال الدين الأفغاني (قدس الله روحه) عن الاشتراكية والعدالة في الإسلام مُقارنًا إياها باشتراكية الغرب:

"الاشتراكية الغربية ما أحدثها وأوجدها إلا حاسة الانتقام من جور الحكام والأحكام وعوامل الحسد في العمال من أرباب الثراء الذين استعملوا ثروتهم في السفه والسرف، وبذلوها في التبذير والترف، على مرأى من منتجها، والعامل في استخراجها من بطون الأرض، أما الاشتراكية في الإسلام، فهي ملتحمة مع الدين الإسلامي ملتصقة في خلق أهله".

فالعدالة في توزيع الثروات التي تطمح إليها مبادئ الاشتراكية لم تكن إلا وليدة الدين الإسلامي، ولله در حافظ إبراهيم إذ يقول:

ما الاشتراكية المنشود جانبها .. بين الورى غير مبنى من مبانيها

فإن نكن نحن أهليها ومنبتها .. فإنهم عرفوها قبل أهليها

فكلما ساد الاستبداد في البلاد، ساءت أخلاق العباد، وعلى العكس: لو ساد العدل والخير، لوجدت الناس يتزاحمون لنصرة مليكهم، فانظر إلى شهادة الإمام الأفغاني حين يتحدث عن العدالة الاجتماعية التي سادت عصر الصديق والفاروق (رضي الله عنهما) "فأهل الإسلام مع تمخض سلطان الحرية فيهم لم يروا في سيرتي الصديق والفاروق رضوان الله عليهما ما يدعوهم إلى أقل تذمر أو تململ، أو تفكير بمناهضة لسلطانهما، أو تألب على أشكال حكمهما وإمرتهما، أو إحداث شغب يعرقل مساعيهما في الفتوحات، بل كانوا يبذلون النفس والنفيس في طاعة الخلفاء، وتأييداً لشوكة الإسلام وتعميماً لعدل الشريعة السمحة".

فلو كان الحاكم يريد النصر، فلا نصر من الأجانب، وإنما من أهل البلاد، فذلك الحاكم الذي يستغيث بالأعادي لينصروه على شعبه، ليس إلا جاسوسًا مندسًا بين الأهالي، وعند أول فرصة سيتخلص منه الأعادي، فهو كالكلب جاء لحراسة مصالحهم، وحين لا توجد جدوى من بقائه سيطلقون رصاصة الرحمة عليه، ويستبدلون به آخر.

بلاد العرب وأخلاق أهلها

إنما العرب ضحايا عهود من الاستبداد لا مثيل لها، ومنذ فجر تلك الأمة ونحن نقبع تحت وطأة مجموعة من المستبدين الغاشمين، فصارت أزمتنا أزمة أخلاق، ولكن المشايخ الآن يرددون تلك المقولة "أزمتنا.. أزمة أخلاق" دون أن يعرفوا السبب وراء تلك الأزمة، وكما شرحنا في البداية، فإن الأزمة أولها استبداد وآخرها (نتاجها) فساد أخلاق. ولنضرب مثالًا بسيطًا (مجرد مثال) انظر معي إلى الاستبداد الموجود في المملكة الأردنية الهاشمية ومصر، ثم انظر لأخلاق الشعب، فستجد كلما ساد الاستبداد والظلم داخل الأسرة أو النخبة الحاكمة كثرت المظالم، والتي تدفع بالناس في حالة من "اللا وعي الجماعي" للبحث عن متنفس يعبرون من خلاله عن غضبهم المكبوت، فيزيحون (عملية الإزاحة في علم النفس) غضبهم عن السبب الرئيسي وهو استبداد الحاكم، ليصير موجهًا صوب إخوانهم في الوطن، فتجد قانون الغاب قد ساد، فلا تتعجب من حوادث الاعتداءات كحادثة الزرقاء في الأردن والتي حدثت عام 2020، فذلك أمر متوقع، وليس بغريب ولا عجيب، بل هو نتاج واضح وصريح لتراكم الاستبداد في ذلك البلد إلى أن ظهرت عوارضه في فساد أخلاق وجهل بعض الشعب. وكذلك الحال في مصر، لمّا تجد أغاني الإسفاف (المهرجانات) بألفاظها النابية والبذيئة صارت تغلب على الذوق العام، فهذا ليس بغريب، فعهدنا طويل مع الاستبداد كإخواننا في الأردن، فصرنا نحن المصريين شعبًا "باجويًا" (نسبة للمعلم الهندي باجوان أوشو) نرقص على كلماتٍ حزينة تتمحور حول غدر الصديق والخيانة والظلم والفقر، لكن تلك الكلمات موضوعة داخل قالب موسيقي رعّاش يودي بالمستمع إلى حلبة الرقص، فهو يرقص فقط على أحزانه.. وذلك في رأيي ضرب من العبث والعدم المتغلغلين في النفس العربية!

الحل

طالما عرفنا المشكلة ووضعنا أيدينا عليها، سنعرف حلها، فالحل (ما زلت أقول) بيد الحاكم (سواء المنتمي لأسرة حاكمة يدعي انتسابها لنسب شريف أو لقيادة عسكرية) فهو وحده القادر على تلافي تلك المشاكل، وأول الحلول القضاء على الاستبداد، وذلك القضاء يكون بمصارحة نفسه وشعبه وأن يعترف بأخطائه. ثاني الحلول أن يتجنب (الحاكم) إزاحة القضية، كأن يقول: علينا الاهتمام بالعلم والتربية. ذلك لا يُعد إلا هروبًا واضحًا من المواجهة، فالمشكلة تكمن فيك وفي حكمك واستبدادك، فما شأن العلم، أو لم تسمع عبد الله بن المُبارك حينما قال "نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم".

ثالث الحلول تنمية ذاتية الأخلاق، وهنا (بعد التخلص من استبداد الحاكم) تكمن مهمة المدارس والجامعات والأسر، فيقوم الأهل بتربية أولادهم على فصل الفعل الأخلاقي عن مبدأ الثواب والعقاب، أي بدل أن يبادر الشخص لفعل الخير طمعًا في الجزاء، يُبادر لفعل الخير لذاتية الفعل، أقصد هنا أن تصدر الأفعال الأخلاقية منا غير منتظرين أو مكترثين بهدية أو جائزة، وإنما يصدر الفعل الخُلقي منا في ذاته ولذاته، فتكون الأخلاق نابعة من ذاتها وليست نابعة لهدف معين، فنجرد الأخلاق هنا من مادية الحياة ونفعيتها، ونجعلها مجردة في ذاتها، فتفعل الخير لأنه خير دون أن تنتظر إحسانًا من أحد، وهذا ما كان يدعو له الفيلسوف إيمانويل كانت.

في الأخير، نعلم جيدًا أن أزمتنا أزمة أخلاق فعلًا، ولكن ما السبب وراء شح الأخلاق فينا؛ ولو بحثنا جيدًا وتطرقنا إلى العوامل والمسببات فسنجد أن السبب الرئيسي هو الاستبداد وغياب العدالة.

واعلم يا أخي أن مقالي هذا ليس إلا تذكرة ودعوة مني لإصلاح الذات، فعلى كل إنسان أن يبحث عن الصلاح في ذاته، وبالتالي فعلى الحاكم كقدوة وراعٍ مسؤول عن رعيته أن يُبادر هو بذلك ويُصلح ذاته.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة