التعليم في خدمة السلطة

صورة3 وزارة التربية والتعليم تدرس تقليص سنوات الدراسة- مدارس مصر- تصوير زميل مصور صحفي ومسموح باستخدام الصورة
مشكلة التعليم في بلادنا العربية ليست مرتبطة بنقص أو غياب تشخيص المشاكل أو بعجز عن الحلول أو نقص في الكوادر البشرية أو الموارد المالية بل جوهر المشكلة في غياب إرادة الإصلاح (الجزيرة)

إن الأصل في التربية والتعليم أن يُربّى كل فرد على احتمال أن يكون قائدا ورجل دولة، أي مسؤولا، وصانع قرار؛ هذه التربية كما أفهمها بأنها تربية من يملك رؤية وكرامة لا تضام ولا تقبل التبعية والاستهلاك، وبذلك يُدرك معنى أن الإهانة أو الجهل، فضلا عن تجهيل فرد من المجتمع، إهانة له بالضرورة، وللمجتمع كله، ومتى فُقدت تلك الرؤية، وفُقد هذا الإدراك وقع الجميع في ذُل لا ينتهي إلى آخر الدهر.

وتمدّنا التجربة التاريخية الإسلامية بأن هدف التربية والتعليم ليس الاستقواء على الآخر ولا السيطرة عليه والتحكم بأفكاره واستغلال ثرواته وإمكاناته ومقدراته، وإنما هما من أجل النهوض بالمتعثر، وتنشيط الخامل، وإمداد الضعيف بمقومات القوة، وحفظ مقام الآخر وكرامته، وموروثه التاريخي، واحترام ثقافته وتقديرها، وتفهم مبادئ الآخرين وتوجهاتهم وقناعاتهم، وتعزيز قيم الحرية والحوار، والسعي من أجل البناء والأمن والسلام، ونبذ ومقاومة العنف والظلم والاستبداد؛ من أجل العمل المشترك في سبيل خدمة البشرية، وإنقاذها من القهر والفقر والجهل والمرض، ومن كل فكر طائفي مستبد ومنحاز مغلق. هكذا ينبغي للتعليم أن يكون، لكننا نستظهر في كل يوم ينشق فجره مسالك صارخة من جانب كثيرين -أنظمة وأحزاب ومذاهب- يريدون تطويع التعليم للتحكم والسيطرة على الآخرين، واستعباد الشعوب ونهب مقدراتها.

إن مشكلة التعليم في بلادنا العربية ليست مرتبطة بنقص أو غياب تشخيص المشاكل، أو بعجز عن الحلول، أو نقص في الكوادر البشرية أو الموارد المالية، بل جوهر المشكلة في غياب إرادة الإصلاح، أو بالأحرى إرادة البناء السليم، وربط فلسفة التعليم وأهدافه بفلسفة وأهداف السلطة أو الجماعة أو الحزب أو رأس المال، وربط القرار التربوي بالقرار السياسي أو النفوذ الطائفي أو المصلحة الطبقية والشخصية، والسياسة التي يأخذ منها نظام التعليم تُؤخذ غالبًا من سياسة الحزب، أو الطائفة المهيمنة، أو من رؤية شخصية كوزير التعليم، أو رئيس الحزب أو زعيم الطائفة، وبناء مناهج التعليم، وتعديل مقرراته وتغييرها بما يتلاءم مع سياسة هذا الحزب أو تلك الطبقة. ولم تكن المدرسة يومًا خارج دائرة الاستهداف السياسي، والطائفي، والرأسمالي، فكانت ولا تزال هدفًا سياسًيا، وطائفيًا، وتجاريًا معتبرًا لتلك الدوائر لتنفيذ أهداف بعيدة عن التعليم وحاجات وأهداف المجتمع، وإن كانت تقول في المستوى الرسمي إنها تعمل لهدف تربوي يتمثل في تنمية القيم، والمعرفة، وإعداد الأجيال الواعدة، وهي في الحقيقة أداة من أدوات التحكم التي يحتكر من خلالها المهيمن البناء الفكري، ويعيد إنتاج الأفكار والمهن التي يريد.

ومن هنا يتغير مضمون التعليم، ويتحول من رسالة للتربية والتعليم، وتنمية التفكير، وإعداد الأجيال الواعدة إلى فلسفة حزبية ومنهج طائفي، للتضليل والتجهيل، وإعداد القطيع، لخدمة السلطة، أو الحزب، أو الطبقة، وتتحول المدرسة من مؤسسة تربوية لبناء الأجيال إلى مكتب سياسي للحزب الحاكم، أو حوزة طائفية للمذهب المهيمن، أو ثكنة عسكرية للمليشيات المسلحة، أو شركة تجارية للطبقة الرأسمالية.

إن التعليم الذي نريده يجب أن ينشئ الجيل تنشئة متكاملة، روحيًا وعقليًا وبدنيًا، ويؤهله لدخول معترك الحياة تربويًا، وسياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا، ويمكّنه من أدوات التفكير الناقد، والانتقال من التقليد إلى الإبداع والتجديد، ويشحذ همم الأجيال، ويتجاوب مع تطلعاتهم، وينمّي فيهم قيم إعمار الأرض المتمثلة بقيم الحرية والنظام والعدل واحترام الآخر، وتحقيق الحكمة من وجود الإنسان، المتمثلة في عبادة الله وعمارة الأرض؛ ليبني جيلا يكون منه السياسي، والمعلم، والطبيب، والمهندس، والأديب، وعلماء الاقتصاد والتجارة والزراعة والتقنية والفلك والفضاء ..

إن العلم والتعليم وسيلتنا لفهم الكون والحياة، ليعلم الإنسان الحكمة من وجوده‏ في الحياة وإلى أين يسير؟ وما دوره وواجباته وحقوقه؟‏ لأن الحياة بغير ذلك تبقى عبثية لا حكمة منها‏ تافهة لا معنى لها، وهو وسيلتنا لبناء الجيل ليحيا حياة طيبة‏ ‏بعيدًا عن الظلم والعبودية والخمول، ويتعلم الناس كذلك للحفاظ على تراثهم ولغتهم ووحدتهم الفكرية، فالتعليم هو الطريق إلى الفكر السليم والنهضة في مختلف المجالات.

لا نريد التعليم الذي يبني الإنسان "الصالح" لقبول الضيم، والذي لا يرى إلا بعين الطبقة المهيمنة والحزب المسيطر، ولا يفكر إلا من صندوق الطائفة أو السلالة أو القبيلة.

لا حاجة لنا بالتعليم المهزوم، والتعليم المؤدلج، والتعليم المرتبط بسلطة، أو طبقة، أو سلالة، والتعليم المتعصب للحزب، أو المذهب، أو القبيلة، والتعليم الذي بلا قيم سامية، وبلا قضية وطنية، والتعليم المفرغ من الهوية، والتاريخ، والذاكرة، والتعليم المرتبط بأجندة تتعارض مع ثقافتنا وسيادة وطننا.

نريد التعليم الذي يبني جيلا متحررا من التعصب الطائفي، والعشائري، والسلالي، ومن التبعية الحرفية للحزب والمذهب؛ نريد التعليم الذي يساعد على بناء الأجيال التي تسهم في إزالة الاحتقان السياسي والتعصب الطائفي والمناطقي، وتشارك في إقامة الدولة، وعمارة الأرض، ونهضة الإنسان والمجتمع والوطن.

من أجل كل ذلك: يجب أن ينطلق التعليم من رؤية شمولية وعلمية، لا من رؤية ضيقة تمثل حزبا من الأحزاب، أو مذهبا من المذاهب، وإنما من رؤية مجتمعية وطنية شاملة تعيد القيمة التعليمية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية للتربية والتعليم، وأن يكون إصلاح التعليم وتطويره عملية دائمة ومنشودة، وليست استجابة لأحد، أو خضوعًا لضغوط أحد، بل استجابة لرؤية وطنية يتبوأ فيها التعليم بكل مرحلة مركزًا مرموقًا وحيويًا.

إننا أحوج ما نكون اليوم إلى تحرير القرار التربوي من تحكم وسيطرة القرار السياسي، والسلطوي، والحزبي، والطائفي؛ نحن بحاجة إلى إرادة حرة وصادقة، وإطلاق حوارات مسؤولة، تتجه صوب فحص واقع التعليم، وسبل إصلاحه، وتطويره، بحيث نصل من خلالها إلى نتائج علمية متميزة، تتمكن المدارس والجامعات من تنفيذها، وفق مناهج وخطط واضحة المعالم والأهداف.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة