ماذا يقول البحتري عن الجزيرة نت؟

 

التوقيت الزماني مطلع قرن جديد، والحالة موضوع تسليطة الضوء مشروع يأخذ طريقه إلى النور، ويمكن أن يصدق عليه حينها بالنظر للمؤسسة التي تكتنفه ما قاله أحد الشعراء العرب القدامى (واصفا صغير الغزالة وبدايات ظهور روْقه/قرنه):

 

تزجي أغَنَّ كأن إبرة رَوْقِه *** قَلَمٌ أصاب من الدواة مدادها

 

أصاب موقع الجزيرة نت من الدواة مِدادَها، وحفلت به الكتابة الإعلامية ضمن منصته التي تضافرت عوامل عدة في جعلها الأبرز، وتشمل تلك العوامل النشوء التاريخي حيث جاء على فترة من "لا سابق عهد" بالإعلام الرقمي، فكان أول نُجعة عربية مشهودة لجهة إعلامية ذات وزن لا يتمارى فيه الناس، وأما ثاني العوامل فيشير إلى الانضواء الاستراتيجي للموقع ضمن المشروع الذي كانت صافرته قد أذّنت في المجتمع العربي طيلة سنين قبل ذلك وألِف الناس لحنها، فكانت ماركة الجزيرة، العلامةَ التي تطرّز أجهزة التلفاز المُشرَعة في المنازل والأماكن العديدة، ومن هنا يسري على الموقع من عِذْق انتمائه ما يورثه النضارة ذاتها والألق نفسه خاصة وأن الموقع جاء معززا لفضاءات العملية الإعلامية وتغطية جانب خاص مستجد وهو الوسط الإلكتروني بما يقتضيه ذلك من أدوات وأنماط واستراتيجيات تلتقي مع الأصل في المرجعية وتمد أشرعتها في الأفق الإلكتروني، لتكون بذلك إضافة في سياق مشروع عام، ثم ما لبث المتصفحون العرب خلال العشرية الأولى من الألفية الجديدة أنْ كان الموقع وجهة الاستقطاب الرئيسة بالنسبة لهم في الاطلاع والتزود ومواكبة العالم وتحديث معايناتهم في المجالات السياسية والفكرية وقراءة التحليلات وغيرها، وهم في كل ذلك يجدون في الموقع مثل ما عبّر عنه  البحتري بقوله "دعبل أشعر عندي من مسلم بن الوليد لأن كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام مسلم ومذهبه أشبه بمذهبهم" فكان ذلك من الأبعاد المعززة لهذا المنجز الإعلامي.

 

ومما لا شك فيه طبقا لأسس الحقل الإعلامي، أن من ضمن أدواره الأُولى، وما يُناط به، إسهاما، وإلزاما، ما يخص الجانب التوعوي، وهو المجال الذي قد لا يكون من الشطط القول إن استراتيجية الجزيرة التي قام عليها وأسندها وعززها موقع الجزيرة نت، قد أسهمت فيه بما يُنيل قصب السبق، فالناس مهما كانوا شيَعا تجاه الجزيرة فهم يسجلون أن الوعي العربي مَدين لانطلاقة الجزيرة، وظهور مشروعها.

ولأنه عندما يلتحف البحر هدوءه، يغدو الكُل "بحّارة ماهرين" كما يقول أديب الإنجليزية شكسبير، فإن موقع الجزيرة كان على خط النار وميدان ضِراب الأمواج في معمعان المشهد العربي في اللحظات الساخنة ومن أبرزها تلك الخاصة بسياق الربيع العربي فكانت "المهارة الحضارية" بلبوسها الإعلامي صانع الفارق ما بين "شارة الجزيرة" وغيرها على مستوى التماهي مع الوجدان المجتمعي وتأكيد الاستثنائية، بالحضور الخاص، الذي "يراق على جوانبه الدم" وذلك تجسيدا لمفهوم أن الحياة رسمُ لوحة وحلّ لمسألة حسابية في الآن ذاته، دون انخرام لمتطلبات القواعد والمهنية.

لذا لا عجب أن يهرع المجتمع العربي إلى منصة الحروف التي تبلسم جراحه وتبعث أفراحه، خاصة بعد صُحبة في دهاليز السنين الحالكة تأسس من خلالها الولاء وتوطدت الثقة، وفي المقابل ومنطقيا فإن الشجرة المثمرة هي التي يهاجمها الناس، كما يقال، وتبعا لتباين الأطاريح والرؤى سيكون هناك جمهور مُوالٍ وآخر نابض بالقناعات التي يأرز إليها، وفئات تتأثر بالتقارع ما بين الاتجاهين مَيْلا أو تحفّظا، ولكن الارتهان للمبادئ المهنية والحضارية يبقى الورقة الأقدر على الربح والمعيار الأدلّ على صحة اتجاه البوصلة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة