عندما يحتكر الغرب القيم لنفسه!!

 

كثُر الحديث في العقدين الأخيرين من قبل حكام ونخب غربية عن أزمة الإسلام مقابل الزهو بغلبة الحضارة الغربية واستعراض قيمها وأمجادها.

ورغم أن إرهاصات هذا الحديث ليست جديدة، لكنها برزت بشكل لافت عقب انتهاء الحرب الباردة وتجسد ذلك في مقولات صراع الحضارات ونهاية التاريخ وانتصار النموذج الحضاري الغربي كما توهمه صامويل هنتجتون و فرنسيس فوكوياما وغيرهما من الكتاب الغربيين في لحظة نشوة بسقوط الشق الشرقي من الحضارة الغربية المسيحية الذي مثله المعسكر الشيوعي آنذاك، وهو وهم تبينت حقيقته بعد صعود أقطاب جديدة على المسرح الدولي منافسة للغرب مثل الصين والهند والبرازيل وتركيا وحتى روسيا التي أضحت لاعبا مشاغبا من جديد بعدما ظن الغرب أنه فككها وطوعها .

ومن اللافت أن كتابات النخب الغربية وخطابات الساسة هناك كثيرا ما ركزت على  البعد القيمي والأخلاقي في هجومها على الإسلام بشكل خاص، وعلى غير الغربيين من الأمم بشكل عام، بل إن الغارة الوحشية  الغربية على الشعوب في آسيا وإفريقيا والتي سُميت زورا وخداعا استعمارا، إنما انطلقت بذريعة أخلاقية هي السعي لتمدين الشعوب وانتشالها من ظروف التوحش و التخلف ووضعها على جادة التقدم والإعمار.

ورغم أن مصداقية ذلك الادعاء ليس هو موضوع النقاش هنا، إلا أنه تلزم الإشارة إلى أن شواهد التاريخ والجغرافيا بل والواقع، تدحض تلك المزاعم وتقول إن عواقب تلك الغارة كانت عكس ما روجت له آلة المنتصر الغربي على الشعوب المغلوبة.

 

مكمن المأزق ومظاهره

والحق أن نقطة الضعف الغربي إنما تكمن في المأزق الأخلاقي الذي يعيشه والتناقض بين ما يقدمه من دروس ومحاضرات عن القيم، وممارساته الفعلية، وهو مأزق يتفاقم يوما بعد يوم ويتكشف لأعداد متزايدة من المخدوعين والمنبهرين بالغرب وقيمه التي طال ما احتكرها لنفسه،

وهي القيم التي لا ينقلها خارج أرضه

على حد وصف المفكر الجزائري مالك بن نبي في مقولته المشهورة التي أثبتت الأيام صحتها وأبانت قوة ملاحظة بن نبي وصدق استشرافه وحدسه.

ولو طال بابني نبي العمر لاكتشف أن الاحتكار سمة أساسية لعالم الغرب في عالم القيم والمادة معا، بل إن الاحتكار من أهم أدواته في التحكم والسيطرة على الغير ولم تقم نهضته العمرانية والاقتصادية وتقدمه العلمي إلا على ممارسة الاحتكار على شتى الأصعدة، فهو يحتكر مصادر المعرفة وأسرار العلم والتقنيات ويصادر حق الآخرين في الحصول على ذلك بوسائل متعددة وذرائع مختلفة، كل ذلك في لبوس أخلاقي مصطنع !

ويمكن للمرء أن يعدد ما لا يحصى من شواهد التناقض والنفاق في الحديث عن القيم والأخلاق التي يمارسها الغرب في علاقته مع غيره حتى يملأ كتبا وأسفارا .

إن القيم التي نتحدث عنها هنا هي تلك المتعلقة بحقوق الإنسان والعدالة ونشر الديمقراطية والحكم الرشيد ومحاربة الفساد المالي والاستبداد السياسي، هذا فضلا عن السعي المعلن لتحرر الشعوب وتمكينها من تقرير مصيرها لاسترداد حريتها المسلوبة سواء كانت من الاحتلال أو من بطش المستبدين المحليين.

لقد تغنى الغرب بتلك القيم وأظهر حرصه على نشرها كقيم ومعايير كونية يقاس بها الغير قربا وبعدا من المثال الغربي، وعلى أساسها تمنح  شهادات حسن السير والسلوك للدول والمنظمات، غير أن ذلك الحرص لم يترجم بشكل عملي في دعم حركة الشعوب التواقة لتعيش في ظل تلك القيم كما تعيشها وتمارسها شعوب الغرب نفسه، بل ظل ذلك الحديث أقرب إلى ابتزاز المستبدين لتسهيل نهب الثروات واستنزاف المقدرات منه إلى مؤازرة فعلية وعملية للشعوب المقهورة، لذلك لم يتجاوز المجهود الغربي عبر السنين إصدار تقارير وبيانات دورية لحالة الحقوق والحريات فيما يسمه الدول النامية مصحوبة بتنديد مكرر بارد لا ينصر مظلوما ولا يردع ظالما.

في الواقع، إن أكبر مأزق أخلاقي واجهه الغرب هو ازدواجية المعايير في تطبيق تلك القيم، ففي حين تثور ثائرته و يستنفر لمناصرة بعض المعارضين السياسيين والحقوقيين في العالم العربي وغيره، وخاصة ممن يتقاطعون معه في التوجه الليبرالي أو يحملون جنسيات غربية، لا يحرك ساكنا عندما يتعلق الأمر بمن يتبنون المعارضة من منظور سياسي وفكري لا يتبنى الرؤية الغربية حتى وإن اضطهد هذا النوع من المعارضة وأبيد بشكل مروع.

 

التواطؤ مع الأنظمة والتباكي على اضطهاد الشعوب

ليس من الإجحاف القول -استنادا لشواهد التاريخ وقرائن الواقع- إن الغرب يسعى لتكريس الواقع المر للشعوب المسلوبة إرادتها، المنهوبة ثرواتها وذلك استدامة لتفوقه وبقائه سيدا لبقية العالم.

إن القرائن، بل والوقائع يدلان على تواطؤ الغرب مع الحكام المستبدين لمنع هذه الشعوب من امتلاك أدوات الاستقلال وعوامل النهوض سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو دفاعية أو علمية.

إذ أن الغرب لا يقبل ولا يستسيغ أن تأتي الانتخابات بمن لا يضمن مصالحه، وحينها لا يتردد في تأييد الانقلاب على نتائج تلك الانتخابات ولا يسمح لأي جهة ببناء قوة اقتصادية بعيدا عن هيمنته حتى وإن كانت حليفة له، أما امتلاك أدوات الدفاع الذاتي عسكريا وصناعيا أو أخذ زمام المبادرة لبناء نهضة علمية فذلك هو التمرد الذي يستحق من يحاوله الإدراج في لائحة الدول المارقة على النظام العالمي.

لا يقتصر الأمر على محاربة الزعماء في بعض الدول الذين حاولوا النهوض والاستقلال الوطنيين بعيدا عن الطريق المرسوم للأغيار! وسقف التطور والنهوض المسموح لهم به، بل إن الشعوب ذاتها عانت من "الفيتو" على مسعى التحرر ونيل الحقوق السياسية والاقتصادية بفعل تحالف الغرب والطغاة، فكما مُنعت الدول من امتلاك أدوات النهوض والتطور حيل بين الشعوب وبين وسائل التحرر من قبيل الانتخابات الحرة والنزيهة و أنواع الاحتجاج السلمي سواء كان ذلك احتجاجا على سياسات حكامها أم اعتراضا على ما يصدر من الغرب من استفزازات لدينها وقيمها، ولعل استنكار فرنسا ممثلة في رئسها ماكرون ووزارة خارجيتها حملة المقاطعة التي استهدفتها ردا على إساءتها للإسلام و إعطائها الأوامر بالوقف الفوري لتلك الحملة – لعل في ذلك إشارة ليست فقط إلى مدى الوصاية والغطرسة لدى حكام عاصمة "الأنوار" فحسب، وإنما هو دليل آخر على مأزق التناقض الذي يعيشه القوم ووقوفهم الدائم لمنع الشعوب من استخدام أي وسيلة للانعتاق من تحكم الغرب ووكلائه.

 

عتاب على المجتمع المدني الغربي

والمؤسف أن ازدواجية المعايير هذه وعدم بذل فعل جاد نصرة للمضطهدين ورفعا للظلم عن المستضعفين وتكريما للمكافحين الصامدين، لا تقتصر على الجهات الرسمية الغربية بل إن قوى المجتمع المدني في الغرب ومنظمات حقوق الإنسان والهيآت المناصرة للحقوق والحريات بشقيها الحقوقي والأكاديمي ومؤسسات الإعلام العريقة ليست أحسن حالا،  فكثيرا ما لوحظ غيابها عن نصرة شعوب عالم الجنوب كما يسمونه، والوقوف ضد تواطؤ الحكومات الغربية مع الحكام المستبدين في مواجهة شعوبهم وإن تم بعض ذلك بانتقائية وبلا استمرارية؛ مما يجعل بيانات المساندة والتقارير التي تصدرها بلا فعالية حقيقة ولا تأثير ملموس في سلوك الأنظمة تجاه شعوبها.

ليس من الانصاف ولا الموضوعية إطلاق الأحكام ولا التعميم في إصدارها، لكن التناقض في سلوك الغرب السياسي اتجاه الأمم الأخرى لم يعد يحتاج تقريره لدليل فهو حقيقة موضوعية يمكن للباحث إبرازها بدون حرج ولا مجازفة كما أن ذلك لا يقتضي غمطه حقه ولا عدم الاعتراف له ببعض الفضل في جواب مختلفة .

تلك بعض مظاهر تناقض الغرب في سياساته الخارجية التي تكشفت عبر السنين أما في الداخل فقد يكون الأمر لا يقل سوء وإن بقيت الصورة النمطية للغرب العادل السباق لنجدة المظلومين والساعي لنشر قيم الديمقراطية وحقوق الانسان مهيمنة على مخيال العالم بفعل القوة التي لا يزال يتمتع بها البناء الداخلي للغرب ودوله المختلفة، بيد أن أزمة كوفيد19 في بدايتها بينت هشاشة إحدى أهم القيم التي طالما مكنت الأوربيين بالذات من إخضاع الآخرين، تلك القيمة هي الوحدة والتماسك ومراعاة مصالح الكل الأوربي، إذ لا يزال الناس يتذكرون أيام ظهور الوباء الأولى وكيف انكفأت كل دولة منه على ذاتها وامتنعت عن تقديم العون للدول الأعضاء المتضررة أكثر من الأزمة، مثل إيطاليا وإسبانيا حتى ارتفعت أصوات شعوب هاتين الدولتين بالمطالبة بالانسحاب من الاتحاد الأوربي الذي خذلتهم دوله في أول منعطف يحتاجون فيه العون والمؤازرة، الشيء الذي شكل لأول مرة  تحديا للصورة النموذجية المستقرة عن الوحدة الأوربية و استدعى سؤال استمرار الاتحاد الأوربي كقوة متماسكة ومتضامنة، ذلك على مستوى علاقات الدول فيما بينها أما عن أزمة القيم داخل كل دولة على حدة فقد تكون أشد، ولعل ظاهرة العنصرية وكراهية الأجانب والمعاملة غير الانسانية للمهاجرين واللاجئين من أبرز الأمثلة على ذلك.

ويبرز التفريق بين اللاجئين من حيث السماح لهم بدخول القارة على أساس أولوية معيار الكفاءة وما سيعود على الدولة المعنية من نفع بدخول اللاجئ لا على أساس حالته الإنسانية وواجب إيوائه بغض النظر عن كفاءته يبرز ذلك كمثال سافر على مأزق أخلاقي لا ريب أنه يؤنب الضمير الأخلاقي الأوربي الحساس!.

من حق الغرب وساسته طبعا، السعي لتحقيق مصالحه وتكريس تفوقه واستدامة بقائه مرجعية للعالم،  لكن من المستفز أن  يكون هذا الغرب وراء كل المشاكل والكوارث التي تعرضت لها شعوب الجنوب منذ قرن وأن يعيق أي تحرك لشعوبه لاسترداد استقلالها وحريتها ثم يواصل إعطاء الدروس والمحاضرات عن قيم  وأخلاق ومفاهيم يمارس نقيضها تماما!.



حول هذه القصة

بعد 7 سنوات، أصبحت مالي، التي كان من المقرر أن تكون رمزا لنصر فرنسا، رمزا لفشلها، فلا البلد استعاد توازنه أو السيطرة على شماله، ولا نجاحات الجنود الفرنسيين في معركتهم ضد الإرهاب أوقفت نشاط الجهاديين.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة