أقم الحب

" وليست الحياة بعدد السنين ولكنها بعدد المشاعر .. لأن الحياة ليست شيئا آخر غير شعور الإنسان بالحياة .."

سيد قطب رحمه الله

إنّ فكرة الحياة القائمة بأن نعيشها لذواتنا فحسب، تشعرك بأنها قصيرة ضئيلة ذو طبع عادي!، رغم أنها قد تكون هي الخيار الاقتصادي المناسب أمام جميع ما تفرضه ظروف الحياة المعيشية الحالية، ولكن عندما ننظر لها بأننا نعيشها مع غيرنا، تبدو طويلة عميقة مصحوبة بشيء من المجهول ونلزم أنفسنا بشيء من المسؤولية المضافة. فالأمر أشبه بأنك أمامك طريقين لا ثالث لهما عليك أن تختار أحدهما؛ فالأول قصير، اقتصادي، أكثر منطقية، وشرطه أن تسير فيه لوحدك من غير مؤنس أو شريك. والأخر طويل لا اقتصادي، حيث تتشابك في أبعاد الحياة وشرطه أن تسير فيه مع أحداً غيرك.. الطريق الثاني يزداد فيه تعقد المشهد وهاجس المغامرة ولكنه في نفس الوقت يزيد لك في تفاصيل الجمال! ويزداد لك مفهوم التوكل على الله وحبه بقدر ما تبقى لك من هامش يغيب عنك تصوره أو يصعب عليك تملكه. تزداد ربحاً مضاعفاً من عمرك بشعورك بأيامها وساعتها ودقائقها. يزداد لك طعم الحياة بدروسها وعقباتها، يزداد لك حب الحياة بشكل عام عندما تجد من تحبّ! تماماً كما أحب النبي -صلى الله عليه وسلم- روحاً في أول تكليف له للبشرية فزملته وأسكنته وقالت مخاطبةً واثقةً: " والله لا يخزيك الله أبدا .. " وكما أحب -صلى الله عليه وسلم- روحاً يوم الحزن هناك في صلح الحديبة فأسكنته وأشارت اليه بأن يقوم للهدي. وكما أحب -صلى الله عليه وسلم- أن يتسابق مع روحاً فسبقته ثم سبقها وقال لها: " هذه بتلك "..

وهكذا نحن للحياة وجدنا، فبالمحبة وللمحبة سرنا وسكنّا، فظفرت النفوس بِمطالبِها، وذاقت طعم الإيمان بالله والسير على هديّ هداه، ونالت الحياة جمالها وكمالها وسكونها، فبدأت الإنسانية عندما استحوش سيدنا آدم عليه السلام الوحدة! وقد اختلف الفقهاء إن كان قد استوحش وهو في الجنة أم بعد خلقه مباشرة.. المهم أنه استوحش وشعر بالوحدة، فكانت غريزة الانسان تحتاج للشعور بشكل عام والشعور بالأنس بشكل الخاص. كانت بحاجة لوجود نصفنا الآخر فى حياتنا.. أي آخر؟ من يكمل روحنا، يشاركها ويشعر بها ويؤنسها.. فكانت المرأة مكملاً لا منقصاً، مجملاً لا مكرهاً، مسكناً لا مؤلماً، رحمةً لا عذاباً فكانت آياته سبحانه

" وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ".

فكان وجود الآخر مهم جداً لأنه يوصلك إلى داخلك، ولكن! هذا الآخر عليك اقتنائه بعناية عقلانية، حينها سيتحرك فيزهر ويصبح حباً، وحين تحب يزداد لك تفاصيل الحياة بحقائقها ومعانيها، سيسعدك رفرفة فراشة مثلاً أو هديل حمامة أو تنفس الصبح.. سيسعدك القليل ولو كان بسيطاً مع ممن تحب أكثر من الذي تحبه نفسك وحدك، ستستمتع بحقيقة الأشياء التي تداوم بروتينها. كالوظيفة، الدراسة، المذاكرة، مساعدة الآخرين، الصلة بالأقارب والجيران، العمل، تحمل المسئوليات، العبادة..

يجعلك موقناً أن النفس انغمست في هذه الأرض بعد أن تاهت وأضاعت طريقها مراتٍ عدة. يجعلك محمولاً بقوة ليست قوتك، منطلقاً إلى ما لا نهاية دون تعب. تدير جاهداً الأعداء الى صف الأصدقاء. تصبح غنياً دون أن تملك مالاً وقوياً دون أن يبدو عليك ذلك. تصبح رقيقاً من غير جهد وحنوناً من غير قصد.! تذوب الأشياء والأسماء فتنعدم الذات والمسافات وتتحد كل الأبعاد تماماً كاتحاد الأرض والسماوات، تبقى في سلام يسمو بك فوق كل صراعات الثقافات والحضارات. تتكشف لك الجمال النفسي الذي كنت مغيب عنه فتلقي النفس عليك من أطيافها ويبدو الليل بظلامه كجنة ساكنة لا وحشة فيها.. كل ذلك فقط حين تقيم الحبّ، أقمه في كل مكان ولا تخف فهو يخففك و لا يثقلك أبداً فلا سكون للروح ولا فضيلة للحياة من غير حبّ.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة