logo

لبنان وتيه بني إسرائيل

 

بعد أن هاجر يعقوب وأبناؤه من الأراضي المقدسة إلى مصر، واستقروا في تلك البلاد، وإلى أن جاء فرعون المشهور، الذي ذُكر في القرآن الكريم، وبدأ بعملية البطش والتنكيل ببني إسرائيل، تحولت السلطة حينذاك إلى نظامٍ عسكريتاري، قائم على التفريق بين الناس والعنصرية البغيضة، والدليل قول الله سبحانه في القرآن الكريم (وجعل أهلها شيعا)، إذ قام باستعباد بني إسرائيل، وأجبرهم على أعمال السخرة وسط الصحراء؛ كي يقوموا ببناء الأصرحة والمرافق الحيوية، التي تمكِّن تسلطه وسيطرته السياسية، ورغم تلك الأفعال المشينة؛ إلا أن بني إسرائيل لم يحركوا ساكنا، ولم ينتفضوا عليه، بسبب جبنهم وخوفهم منه، حتى أرسل الله سبحانه سيدنا موسى المنقذ لهم من ذاك العذاب الأليم والعبودية.

كما هو معلوم، أن سيدنا موسى واجه فرعون بكل قوة وعزيمة (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً ليِّنا لعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)؛ لكن فرعون رفض، وحدثت قصة الهروب الشهيرة التي عبر بها سيدنا موسى البحر، بالرغم من العلامات الكثيرة التي ظهرت لفرعون كي يتعظ، ويعود إلى رشده، ويتوقف عن البطش الذي مارسه بحق الشعب؛ إلا أن التاريخ يأبى إلا أن يكرر نفسه، فكل الطغاة والمجرمين نهايتهم وخيمة وشنيعة ولو بعد حين، وهي دلالة واضحة لا تحتاج إلى تفسير أو توضيح، إن مصير الطغيان حتمي، وهو الزوال بلا شك (إن في ذلك لآية).

ولكن ليست العبرة في رحلة الخروج والهروب من بطش فرعون، إنما العبرة هي أن سلوكيات العبيد الذين ارتضوا الذل والهوان منهج حياة، لن تقبل لهم أن يتحرروا وأن يكونوا أحرارا، فالعبور والخروج واصطفاء الله لبني إسرائيل، وعونه لهم ليخرجوا من حالة الظلم والطغيان، التي كانوا يعيشون تحتها، لم تُغيّر من الوعي الجمعي، ولا من طريقة تفكيرهم، فمن الصعب على من وُلد ونشأ في ظل العبودية أن يستشعر الحرية. ومن المستحيل على من تذوق طعم الذل أن يعرف معنى العزة.
هنا النقطة الفاصلة، وهي عندما طلب سيدنا موسى، القتال للدخول مجددا إلى الأراضي المقدسة، وهو الذي أنقذهم من الموت المحتم، ومن الذل والقهر الذي كان متأصلا في عقولهم ووجدانهم؛ إلا أن جوابهم كما هو معروف

(فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَٰهُنَا قَاعِدُونَ)

هنا جاء العقاب من الله سبحانه وتعالى، حيث

(قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ

فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ).

قد يسأل القارئ، ماذا يهمنا من هذه القصة التي معظمنا يعرفها، في الوقت الذي نعاني من الفقر والجوع، والأنكى من ذلك بدون أي حلول من الطبقة السياسية؟ في الحقيقة، من لا يقرأ التاريخ، لن يفهم الواقع، ولن يتنبأ المستقبل. في السابق لم نكن نتبع الأسلوب الذي واجه به سيدنا موسى وأخوه فرعون. يعتقد البعض أن فرعون هو الشخص الذي ذُكر في القرآن، إطلاقا، إنه يمثل كل ظالم في كل زمان ومكان، لم نواجه ظلامنا ولو بالكلمة، إنما إذا أعطونا أحد حقوقنا الإنسانية، التي هي حق كل إنسان منذ ولادته، قمنا بنشر صوره وتبجيله وجعله قديسا.

اليوم إذا نظرنا إلى حالتنا في لبنان، فنحن أشبه ببني إسرائيل في حال التيه، جيل التيه هو جيل يقلب الحق باطلا والباطل حقا، وله تصوراته وآراؤه التي تجعله أبعد ما يكون عن الإنسانية، فهو يرى أن الحياة تقتصر على الأكل والشرب والإنجاب، كما أن الذل والهوان سمة أساسية عنده. نحن اليوم في بداية التيه، وذلك لأننا ارتضينا الذل والهوان وبطش الحكام، لم نتحرك كي نحصل على أدنى حقوقنا الإنسانية التي نصت عليها شرعة حقوق الإنسان، من مأكل ومشرب وبيت وثياب.

جاءت فرصة 17 أكتوبر/تشرين الأول، رغم كل عللها وتشوهاتها البنيوية والحركية؛ إلا أنها كانت فرصة، نستطيع أن نعول عليها؛ غير أننا رفضنا أن نتحرر من مذهبيتنا وطائفيتنا وأفكارنا البالية والموروثات الثقافية المزروعة منذ نشأتنا، في اللاوعي والعقل الباطني، وبتنا نعيش على ثقافة المساعدات والكرتونة، لقد صارعنا بعضنا البعض على مناصب وأسماء لم نمتلكها في الأصل. للأسف المشكلة فينا، إن السلطة هدفها كما هو هدف فرعون سابقا وكل فراعنة العصور، أن يفرقونا ويجعلونا شيعا، كي يتمكنوا من رقابنا، ونبقى مستضعفين في الأرض.

لا بد لنا من قراءة التاريخ بشكل يمكِّننا من الاستفادة منه عبر إسقاطه على واقعنا الحالي، فإن التاريخ لا يتغير، إنما يتغير شكله نسبة للزمان والمكان والتغيير المجتمعي؛ لكن المضمون يبقى على ما هو عليه، إن بني إسرائيل البارحة هم الشعوب العربية اليوم؛ إذ إن الصورة تتكرر، حتى بعد مرور آلاف السنين على تيه بني إسرائيل، إن تلك الشعوب تعيش اليوم، الحالة ذاتها، من قهر وظلم، فتلك الحالة، هي تراكمات وصيرورة من السكوت الزمني بدون أي مقاومة للطغيان والاستبداد، والمبكي أن الكثيرين من جيل الآباء والأجداد كانوا من الناكصين؛ لأنهم عاشوا مرحلة الظلم في ذروتها، تبعهم جيل من الشباب الذي نشأ على اللاوعي والتخبط، إضافة إلى ما ورثه من الجيل السابق مع عدم نضجه السياسي، هذه الخلطة أدت إلى انفجار اجتماعي لن يهدأ حتى تظهر حالة تشبه سيدنا موسى.



حول هذه القصة

لجأت قوات الأمن اللبنانية لاستخدام الغاز المسيل للدموع لفض الاحتجاجات في مدينة طرابلس (شمالي البلاد). ويواصل أبناء المدينة احتجاجاتهم منذ عدة أيام تنديدا بتردي الأوضاع الاقتصادية، ورفضا لقرار الإغلاق

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة